هيا بنا نذهب إلى أرض غريبة مدهشة. سأروي لكم قصتها
هناك، يعيش الناس على شاكلة واحدة؛ قلوبهم متحدة، وأفكارهم متآلفة، لا اختلاف بينهم ولا نزاع. بيوتهم متساوية في الحجم والتصميم، لا حسد فيها ولا بغضاء، ولا حاجة فيها إلى أبواب أو جدران لأن السرقة غير معروفة بينهم.
في تلك الأرض لا يعرف الناس المرض، ولم يسمعوا يوما بالميكروبات. أما مزارعهم، فما إن تُبذر فيها الحبوب حتى تنبت وتزدهر وتثمر دون حاجة إلى مبيد البكتيريا أو رعاية خاصة، فليس في أرضهم حشرة تؤذي أو آفة تفسد.
أكاد أرى على وجوهكم ابتسامة ساخرة تقول: "كأنكم تقولون: "يا له من عالمٍ من نسج الخيال!" أو ربما يخطر ببالكم: "إنها اليوتوبيا المنشودة!"
ولكن اسمحوا لي أن أطرح سؤالا: ما الحكمة في أن يبعث الله تعالى رسولا إلى الناس، ويمنحهم الآيات والبراهين، فيؤمن بعضهم فيفوزوا، ويكفر آخرون فيهلكوا؟ وما الحكمة في أن يكون المؤمنون في جانب، والكافرون في جانب آخر، فيتنازعون ويتحاربون وتسفك الدماء؟ ألم يكن الله قادرا على أن يرسل رسالاته مباشرة فيؤمن بها الجميع، فيعيش الناس مؤمنين طائعين سعداء، جميعهم من أهل الجنة؟
قد نتساءل كثيرا عن أسباب كون الأمور التي لا تجري على ما نتصوره. ولو تفكرنا في عمقها وقعرها لما وصلنا إلى نهاية ولا إلى يقين.
لحظة يا حبيبي.... دعونا نترك الحديث عن الدين والوحي والآخرة، ولننظر إلى أرض الواقع القريب، إلى ما يجري في حياتنا اليومية، فسنجد العجب!
انظروا إلى الأرض التي نعيش عليها: كم من الآفات جعلت الحياة قاسيةً مؤلمة! كل ما نأكله من خضروات وفواكه ملوثٌ بالسموم والقوادح. ولم ذلك؟ لأننا نرشها بالمبيدات! ولماذا نرشها؟ لنقتل الحشرات التي تلتهم الزرع. لكن من الذي أوجد تلك الحشرات أصلا؟ ولماذا خلقت؟
كم من المصائب التي جرتها هذه الكائنات الصغيرة على الأرض والهواء والماء والإنسان؟ وكم من الكوارث التي تسببت فيها المبيدات التي استعملناها لمحاربتها؟ من الذي قرر أن تكون هذه الحشرات جزءا من نظام الحياة؟ ومن الذي وقّع على ذلك القرار إن جاز القول؟ ومن الذي أقرّ هذا التوازن العجيب بين المفسد والمصلح في نظام الحياة؟
دعوا العقل يتكلم، ودعوا المنطق يحكم: ما الحكمة وراء إيجاد الحشرات التي تتلف الزرع، والجراثيم التي تفتك بالإنسان؟
دعونا نتجاوز هذا مؤقتا وننظر في حال الإنسان نفسه.
كم في العالم من المستشفيات؟ وكم من الملايين من المرضى يعانون منها؟ أليست الجراثيم وراء معظم هذه الأمراض؟
ومن ذا الذي جعل الجراثيم ضرورة من ضرورات الطبيعة؟
ألا يدعو ذلك إلى التفكير؟
ولننظر إلى ما هو أخطر: ما بال الإنسان الذي قد امتلأ قلبه بالحقد والأنانية والعُجب؟ كم من الحروب والمجازر والدماء التي لا تزال تسيل أمام أعيننا؟ أليست الأهواء والنزعات الشريرة كالكبر والطمع والانتقام هي التي تدفع الإنسان إلى قتل أخيه الإنسان وتدمير أوطان بأكملها؟ من الذي أودع في الإنسان هذه النزعات؟ ولماذا فُطر على التناقض بين الخير والشر؟
لقد خلق الإنسان في أحسن تقويم، فلماذا سكنت في داخله هذه الطاقة المدمرة؟ كيف تحوّل هذا الكائن الذي خُلق ليعيش بين الزهور والأنهار والنسيم العليل إلى مسفك الدماء والدمار؟
إنها أسئلةٌ تتحير عندها العقول، ويقف أمامها المنطق عاجزا.
غرور الإنسان وحده هو الذي يجعله يظن أنه أدرك أسباب كل شيء. لكن الحقيقة أن هناك أسرارا خفية في هذا الكون، لا يبلغها العلوم ولا يحيط بها العقول.
حلم البشر جميعا أن يعيشوا بلا عداوة ولا كراهية في عالم يسوده السلام والمودة والتكافل، وأن يأكلوا طعاما نقيّا من غير سموم ولا آفات، وأن يؤمنوا جميعا بالله، فيسعدوا جميعا ويفوزوا جميعا. ولكن… هل يمكن أن يتحقق ذلك؟ لا، كلا ولا. لأن الأمور ليست كما نرغب، ولا كما نتخيل.
إن الطبيعة قد أودعت في الأرض مقوّمات الحياة، لكنها كذلك أوجدت ما يقاومها. وفي جسد الإنسان قوى للشفاء، لكن فيه أيضا ما يضعفه ويمرضه. وفي مسيرة الإيمان طريق إلى الهدى، ولكن على جانبيه شياطين تتربص لتغوي السائرين.
هكذا خُلقت الحياة: توازن بين النور والظلمة، بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر. ولماذا ؟ الله وحده أعلم كما قال تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (سورة الإسراء٨٥)



