بدأ الشكّ يطلّ عليها يوم قرأتْ تلك الرواية، ثم ما لبث أن نما وترعرع، حتى انفجر في قلبها انفجارًا. قالت بنبرةٍ حادّة: أنتم تعتبرون قتل الإنسان قُربةً وطاعة! أليس هذا ما فعلتموه؟ ألا ترون كيف انتزع أبٌ طفلَه مِن أمّه، واقتاده إلى مكان خالٍ، ثم ذبحه بدمٍ بارد باسم الله! وتحتفلون به إلى اليوم، وتذبحون الأبقار والماعز، وتسمّونه عيدًا! أيُّ إنسانية بقيت لكم؟
كان الكلام صادمًا، والاتهام جارحًا، لكنّي ابتسمتُ بهدوء، وقلت لها: من هو هذا الإنسان؟ ومتى وقع هذا القتل؟ وكيف؟ ناولَتْني الرواية، وفتحتْ لي الصفحة المطلوبة. قرأت، وإذا بالكاتب يصوغ القصة بصورة توحي حقًا بأنّ أبًا متوحشًا ذبح ابنَه وهو ينظر في عينيه! تصويرٌ يغيّب الحقيقة تمامًا، ويحوّل اختبارًا سماويًا رفيعًا إلى جريمة بشعة.
هززتُ رأسي ولم أتعجل الردّ. قلت لها: هيا نشرب فنجان قهوة، ونتكلم بهدوء. لم أقل لها: هذا كذب، وهذه رواية مزوّرة، بل آثرتُ أن أسلك معها طريقَ البيان لا طريقَ الاتهام.
قلت لها: هل سمعتِ يومًا عن السادة الأشراف؟ عن السادة آل البيت؟
قالت: نعم، سمعتُ.
قلتُ: من هم؟
قالت: هم من ينتسبون إلى ذريّة النبي محمد ﷺ.
قلت: أحسنتِ. وهل هم موجودون اليوم؟
قالت: نعم، كثيرون، في بلدان مختلفة، وفي بلدنا أيضًا.
فقلت لها: جميل. الآن اسمعي بقلبك. هذا النسب، إلى أين يعود؟
سلسلة النسب النبوي تمتدّ عبر عشرات الأجيال، من النبي محمد ﷺ إلى جدّه الأعلى إسماعيل عليه السلام.
ويمكن لأيّ طالب في الكتاتيب أن يذكر لك أسماء الأجداد العشرين الأوائل للنبي ﷺ:
1. عبد المطلب
2. هاشم
3. عبد مناف
4. قصي
5. كلاب
6. مرة
7. كعب
8. لؤي
9. غالب
10. فهر
11. مالك
12. النضر
13. كنانة
14. خزيمة
15. مدركة
16. إلياس
17. مضر
18. نزار
19. معدّ
20. عدنان
ثم تمتدّ السلسلة صاعدًا حتى تصل إلى إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام
21. أُدّ
22. مُقَوِّم
23. نَاحُور
24. تارَح
25. يعرب
26. يشجب
27. نابت
28. إسماعيل عليه السلام
29. إبراهيم عليه السلام
هنا رفعتُ صوتي قليلًا وقلت: إسماعيل الذي تتحدث عنه الرواية، هل هو شخص بلا نسل؟ بلا ذرية؟ بلا امتداد؟
إسماعيل عليه السلام عاش حياة طويلة مباركة، تزوّج، وأنجب اثني عشر ولدًا، وتكاثرت ذريته، ومنها خرج العرب المستعربة، ومنها خرج خاتم الأنبياء ﷺ، ومنها تعمّر الأرض اليوم بمئات الآلاف من الأشراف والسادة. فهل يمكن لعاقل أن يقول: إن طفلًا ذُبح وهو صغير، ثم خرج من ذريته عشرات الملايين بعد آلاف السنين؟
ما الذي حدث إذن؟ قلت لها: يا ابنتي، القصة ليست قتلًا حقيقيًا، بل اختبار إلهيّ عظيم، امتحن الله به قلب إبراهيم وأسلَم فيه إبراهيمُ وإسماعيلُ وجهيهما لله. إن الله أراد أن يُظهر للعالم مقام التسليم والطاعة، فوضع أشدّ امتحان يمكن أن يواجهه أبٌ يحب ابنه.
أمّا الذبح الحقيقي، فلم يقع، بل فدى الله إسماعيل بكبشٍ من السماء، كما قال تعالى:﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وهنا بكت السماء فرحًا، وسُجِّل الامتحان على أنه نصرٌ للتوحيد، لا مأساةً للإنسانية.
المأساة ليست في التاريخ، بل في التشويه. ومن المؤسف أن بعض الروائيين يمزّقون الحقيقة من سياقها، فيأخذون جزءًا صغيرًا من القصة، ويعرضونه مجردًا عن مقدماته ونتائجه، ليصنعوا رواية تبيع الوهم وتُشعل الفتن.
وهكذا حين تُنتزع قصة إبراهيم وإسماعيل من سياقها العظيم، وتُقدّم كأنها جريمة، تضيع الحقيقة، ويُسرَق الجمال، ويكبر سوء الظنّ بالدين. فقد علّمنا الله الحقيقة، فليس في تاريخ الإسلام ذبحُ ابنٍ لأبيه على الحقيقة، لا من أجل دين ولا غيره.




