حين نتحدث عن الإنسان، لا يمكن أن نتجاوز القلب، فهو المحرّك ومهبطُ الرحمة. وكذلك حين نتحدث عن الحجّ، كيف لنا أن نغفل عن عرفة؟ أليس عرفةُ هي الحجّ؟ ألم يقل النبي ﷺ: الحج عرفة؟
عرفةُ سهلٌ فسيح يقع في سفح جبل الرحمة. وتقول الرواية إنّ تسميته جاءت من المعرفة؛ ففي هذا الموضع تلاقى آدم عليه السلام وحواء رضي الله عنها بعد أن هبطا من الجنة في طريقين متباعدين، فظلّا سنين طويلة يبحث أحدهما عن الآخر، حتى كان اللقاء هنا، فعرف كلٌّ منهما الآخر، فسُمّي المكان عرفة.
وفي هذا السهل المبارك يجتمع أكبر جمعٍ إنسانيّ على وجه الأرض؛ ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين إنسان، من شتّى الأمم والألوان والألسن والطبقات. كلّهم يقفون تحت سماء واحدة، بثوبين أبيضين، لا يَفصل أحدًا عن الآخر جاهٌ ولا مال، كلّهم يسعون إلى ربٍّ واحد، لا تُقبل حجّتهم إلا بالوقوف على هذه الأرض.
وعرفة ليست مكانًا مقدّسًا فحسب؛ بل مسرحٌ لخطبةٍ خالدة في تاريخ البشرية: خطبة الوداع؛ الخطبة التي أعلن فيها النبي ﷺ أوّل ميثاق عالميّ لحقوق الإنسان، قبل أن يعرف العالم معنى هذه الكلمة بقرون طويلة.
بعد ثلاثةٍ وعشرين عامًا من التربية والتزكية وبناء الإنسان والمجتمع، وقف النبي ﷺ هنا، بعد أن حوَّل أرض الجزيرة من رمادٍ إلى ذهب، ومن ضلالٍ إلى نور، ومن فرقةٍ إلى أمّة. رفع صوته يخاطب العالم كلّه:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإنّي لا أدري لعلّى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إنّ دماءكم وأعراضَكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومِكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا - ألا هل بلّغتُ اللهمّ فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
وإنّ ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنّه لا ربا. وإنّ أول ربا أبدأ به عمّي العباس بن عبد المطلب.
وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم نبدأ به دمُ عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية - ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد، أيها الناس إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنّه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ممّا تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم. أيها الناس إنّما النسئ زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً ليوطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله ويحرّموا ما أحلّ الله. وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد، أيها الناس إنّ لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حقّ. لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهنّ وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنّهنّ عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً ،ألا هل بلغت .... اللهمّ فاشهد.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه ، ألا هل بلغت اللهم فاشهد. فلا ترجعن بعدى كافراً يضرب بعضُكم رقاب بعض، فإنّي قد تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت ... اللهمّ فاشهد.
أيها الناس إنّ ربكم واحد وإنّ أباكم واحد كلّكم لآدم وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجميّ فضل إلا بالتقوى - ألا هل بلغت .... اللهم فاشهد. قالوا نعم . قال فليبلغ الشاهد الغائب.
أيها الناس إنّ الله قد قسم لكلّ وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم.
لقد وضع النبي ﷺ في عرفة دستورًا أخلاقيًا وإنسانيًا شاملًا، يختصر مبادئ الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعالم؛ دستورًا لو قرأته البشرية بصدق، لكان منهاجًا للسلام العادل المستقيم.
ولذلك، فحين نتحدّث عن حقوق الإنسان، ينبغي أن يبدأوا من هنا، من سهل عرفة، من خطبة الوداع، من الإعلان الذي صاغته السماء على لسان نبيٍّ رحيم، لا على يد سياسيٍّ أو مفكرٍ أرضي. إنّ عرفة ليست يومًا في الحجّ فقط، إنها نافذةٌ واسعة يطلّ منها الإنسان على سماء الرحمة، ليدرك من جديد: أنّ البشرية أسرةٌ واحدة، وأنّ القلوب كلّها بين يدي الله الواحد.




