ذهب واحد من أصدقائي عن جهل وهوى إلى اتهام الإسلام بأنّه انتقص من قدر المرأة حين جعلها تهرول بين الصفا والمروة، وكأنّ هذا الركن العظيم لا يحمل إلا ظلال الضعف والانكسار! ويُشيّعون أنّ في السعي إهانةً للمرأة أو تصويرًا لها في موقف الحاجة والضياع، وهي صورٌ مشوّهة لا تصمد أمام بصيص من نور الحقيقة.
لكن الحقيقة أنّ السعي بين الصفا والمروة هو واحد من أعظم الشواهد على تكريم الإسلام للمرأة، ورفع شأنها، وإعلاء ذكرها إلى يوم القيامة. فليس هو سعي امرأةٍ ضعيفة مضطربة، بل هو سعي ملكةٍ ربّتها الشدائد، وصنعتها الثقة بالله، حتى صارت قصّتها مَثَلًا أعلى يتعبّد الناس بذكره وخُطاه.
حين ترك إبراهيمُ عليه السلام زوجَه وطفلَه في وادٍ غير ذي زرع، لم يكن ذلك تخلٍّ ولا قسوة؛ بل كان امتثالًا لأمر الله وثقةً بوعده. وهاجر، تلك المرأة المؤمنة ، لم تنهار، ولم تصرخ في وجه القدَر، بل قالت لزوجها الكلمة التي خُلّدت بها: آاللهُ الّذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لن يُضيّعنا الله. من تلك اللحظة بدأت رحلةٌ تُسطِّر أعلى درجات الإيمان وقوة اليقين. انفردت امرأةٌ واحدة بطفل رضيع… لكن قلبَها كان ممتلئًا بالله، فصار ضعفُها قوة، ووحدتُها أنسًا، وخوفُها أمنًا.
لما اشتدّ العطش، اندفعت هاجر بين الصفا والمروة تبحث عن ماء، أو عن بشر، أو عن بصيص نجاة لطفلها. هرولت سبع مرات، قلبها يسبق قدميها، وإيمانها يسبق خوفها. صار ما فعلته امرأةٌ واحدة، في لحظة شدّة، شعيرةً من شعائر الإسلام، يتقرب بها الناس إلى الله في الحج والعمرة. ملايين المسلمين - رجالًا ونساءً، ملوكًا وفقراء، أقوياء وضعفاء - كلّهم يهرولون كما هرولت هاجر، يقتفون أثر امرأة عظيمة كان الله معها. أيّ تكريمٍ أعظم من أن يجعل الله سعي امرأةٍ وعبادتَها عبادةً للأمم كلها؟
من أراد أن يرى في السعي احتقارًا للمرأة، فقد أعمى قلبه عن المعنى، وأغلق عينيه عن الحكمة. فلو كان في السعي إهانة، لكان أوّل من أُهين به الرجال، ولكن الله جلّ جلاله شرّف المرأة بأن جعل أثرها إمامًا يُتّبع. الرجال كلّهم - على اختلاف درجاتهم - يسعون اليوم كما سعت امرأة واحدة. يسعى العلماء والملوك والرؤساء وعامة الناس، جميعهم يكرّرون خطواتها، ويستحضرون قصتها، ويُتعبّدون لله بما صنعت. إنها ليست مهانة، بل مملكة روحية جعل الله فيها المرأةَ سُلطانةً يطوف الناس حول تاريخها، ويسعون على خطاها، ويستلهمون يقينها.
لم تكن هاجر تبحث عن مجدٍ شخصيّ، ولا عن بطولة أرضية. كانت تبحث عن حياة طفل. كانت تركض بين جبلين من أجل رضيع واحد، فوهب الله لها بصدقها أن يركض العالم كلّه خلف قصّتها إلى قيام الساعة.
والسعي اليوم هو احتفال عالمي بالأمومة المؤمنة، وبالقلب الصابر الذي لا ييأس، وبالمرأة التي تستخرج من الخوف قوة، ومن الضيق فسحة، ومن الصحراء ماءً يفور إلى يوم القيامة. حين تفجّر ماء زمزم، لم يكن مجرد ماء، بل كان علامةَ قبولٍ ربّاني لسعي تلك المرأة الصالحة. ومن ذلك الماء نشأت مكة، وجاءت الرسالة الخاتمة، وتغيّر وجه الأرض. فكيف يكون هذا الدين مهينًا للمرأة، وهو الذي جعل سرّ نشأة أمّ القرى على يد امرأة؟ وكيف يزعمون أنه يحطّ من قدرها، وهو الذي جعل ركنًا من أركان نسك الحجّ تكريمًا لها؟
ليست هاجر قصة تُروى، بل منارة تهدي. وليست امرأة في تاريخٍ مضى، بل أمّة من الإيمان تمشي على قدمين. وليس السعي بين الصفا والمروة مجرد حركة جسدية، بل هو رسالة تربوية ودعوية تقول لكل مؤمن ومؤمنة: إن الضيق يفتح أبواب الفرج.، وأن اليقين أقوى من الصحراء، وأنّ خُطا امرأة مؤمنة قد تصنع تاريخًا تتعبد به البشرية كلها.




