لماذا قال الله تعالى: الحج أشهر معلومات؟ مع أنّ أعمال الحج إنّما تستغرق 6 أيام فقط ، من يوم التروية إلى آخر ايام التشريق ، - من اليوم الثامن إلى الثالث عشر من ذي الحجة- ، وإن أخذنا بالحدّ الأقصى تستغرق شهرين ونصف؛ من بداية شهرشوال - أول أوقات الإحرام بالحج- إلى آخر أيام التشريق.
قبل الإجابة على هذا السؤال نعيش مع بعض الوقائع العادية التي تقع في مجتمعنا:
الواقعة الأولى: امرأة مسلمة كان عليها مبلغ زهيد لأخت غير مسلمة ، مبلغ قليل جدّا لايلتفت اليه ولا يطلب عادة ، ذات يوم ذهبت المسلمة بهذا المبلغ إلى الثانية وأعطتها إياها ، فلمّا فاجأت بهذا المبلغ الصغير سألت الثانية للمسلمة: هل أنت مسافرة إلى مكة؟
الواقعة الثانية: اتصل بي أحد أصدقائي وأنا ذاهب إلى فراش النوم، يسأل عن الكتاب التي أعطيتها إياه قبل سنوات، وهي ترجمة عربية لكتاب: The Bible, The Qur'an and Science ، للكاتب الفرنسي Maurice Bucaille. يستفسر المتصل: هل كانت الكتاب هدية لي؟ أم إعارة ، أردّه إليك بعد القراءة؟ دعني أشرح لك بالتفصيل:
عندما تلقيت اتصالًا من صديقي عن الكتاب ، أجبته: بأنني أهديتها لك. كما أهدانيها باحث كان يعمل في جدة. ثم سألته ما سبب هذا التحقيق العاجل ؟ أجاب - كما يجيب الكثيرون - : إنه ذاهب للحج. فما ظنّكم يا إخواني، هل كان جوابه هذا صحيحا أم لا؟ وفي الحقيقة كان يجب عليه أن يقول: أنا في الحج ، لأنّ الحج قد بدأ بالفعل مع عزمه على الحجّ وقصده إياه، أليس كذلك؟
أليس من الضروري لمن قصد الحج أن يبادر بالتوبة عن المعاصي وإعطاء الحقوق لأصحابها والعزم على أن لا يعود إلى المعاصي بقية العمر، والإلتزام بجميع تعاليم الدين منذ قصد الحج، أليس نسبة الحج إلى الأشهر تفيد أنّه عبادة تحتاج إلى استعداد نفسي وروحي وجسدي يبدأ منذ أشهر، وليس عملاً لحظيًّا، أليس إلى هذا تشير الآية الكريمة : }الحج أشهر معلومات{.
للحجّ خصوصيّة مميّزة، فهو لا يبدأ فقط بعد الوصول إلى مكّة، بل يبدأ قبلها، وتستمرّ آثاره حتى بعد العودة منها، من أدّاه أداءً صادقًا مخلصًا خرج من ذنوبه طاهرًا كاليوم الذي ولدته أمّه، وثواب الحجّ المبرور ليس إلا الجنّة وحدها. ومن هنا يتّضح أنّ من عاد بعد الحجّ إلى اللهو والعبث، لم يكن حجّه حجّا مبرورا، فالحجّ المبرور يبقى أثره قائمًا في حياة صاحبه إلى أن يلقى ربَّه.
تدور خلف الحجّ قصةٌ فريدة من نوعها، أبطالها ثلاثة من أفراد أسرة واحدة، ثلاثة أشخاص لا نظير لمعاناتهم في التاريخ، ولا في الأساطير، ولا في أيّ خيال بشري، أحدهم أب، والثانية أمّ، والثالث ابن، ثلاث شخصيات متميزة لا مثيل لها، لا يمكن أن يذكر الحـج بـدونهم.
نحن نعيش في عالمٍ تحكمه الأسباب والعلل، التي نراها ونسمعها ونتعامل معها يوميًا، لكن حياة هؤلاء الثلاثة كانت استثناءً يقلب تلك القوانين رأسًا على عقب. لنبدأ بالأب، عادةً مّا يصبح المرء أبًا في سنوات شبابه، بعد الزواج، وربّما تمتدّ تلك الحياة الزوجية عدّة سنوات بلا أولاد. ولكن قفوا لحظة! مَن مِنكم سمع عن رجلٍ أصبح أبًا لأوّل مرّة في السادسة والثمانين من عمره؟ هل رأيتم أحدًا كذلك؟ بالطبع لا!. حينما بشّرت الملائكة زوجتَه بالولد أبدت دهشتها، إذ قالت: أنا عجوز، وزوجي شيخ كبير، كيف يكون لي ولد؟! فيأتيها الردّ من الملائكة: أتعجبين من أمر الله؟! رحمة الله وبركاته عليكم. وهكذا، رُزق هذان الشيخان بطفلٍ في سنٍّ لم يتوقّعاه. إنّ حياة هؤلاء الثلاثة كانت سلسلةً من المعجزات التي لم يألفها البشر.
لقد كانت حياة النبي إبراهيم عليه السلام كلّها سلسلةً من الاختبارات. نطق بالحقّ، فواجه الأعداء، وكانوا من الملوك والأقوياء. فكانت العقوبة شديدة ؛ أُلقي في نارٍ شديدة محرقة أُوقدتْ خصّيصًا له. لكن النار- بأمر الله - فقدت طبيعتها المحرِقة، وأصبحت بردًا وسلامًا عليه، فخرج منها إبراهيم بسلامٍ، وكأنّه بطلٌ نجا من المستحيل.
ولمّا بلغ من العمر أرذله، ورُزق بولدٍ طال انتظاره، وبدأ يفرح به ويودّ أن يقضي بقية عمره يلاعبه ويداعبه، جاءه الابتلاء بعد النعمة، جاء أمر الله بأن يترك زوجته وطفله في وادٍ لا زرع فيه ولا ماء.
نحن نقرأ اليوم هذه القصة كأنها أسطورة، لو حاولنا أن نتخيّل المشهد بأعيننا لعرفنا مدى الألم والحرقة فيه. تخيّل، أنّك تسافر في القطار مع زوجتك وطفلك من محطّة، أثناء السفر تنزل في محطّة أخرى لتشتري ماءً وبسكويتًا، وبينما تشتري إذا بالقطار قد بدأ يتحرك، وازداد سرعة بحيث لاتستطيع الصعود، ولا هاتف تحمله لتتّصل. زوجتك وطفلك داخل القطار، وأنت عاجز عن اللحاق بهم. ماذا ستفعل؟ ولا مجال لديك للالتحاق بهم، فكيف سيكون حالها وهي وحدها ، لاتعرف لغة الآخرين ، والطفل يبكي في حضنها؟. تخيّل عمق المشاعر التي تنشأ في أذهاننا في تلك اللحظة.
نعود إلى قصتنا: نبي الله إبراهيم عليه السلام لم يترك الطفل وأمه في وسط مدينةٍ مزدحمةٍ بالناس والضجيج، بل في صحراء قاحلةٍ لا تنبت فيها حتى نبتةُ عشبٍ واحدة بسبب شدة الحرارة، وبين الصخور السوداء الحارقة، القرآن يصفها بأنها }وادٍ غير ذي زرع{.
وهنا لا بدّ من التأمل في تلك الأمّ العظيمة، هل كانت تصرخ أو تجادل زوجها الحبيب الذي تركها وحدها مع طفلها؟ هل كانت تلومه أو تثير الفوضى من حولها؟ لا، لم تفعل شيئًا من ذلك. كان سؤالها الوحيد:
ــ أهو أمرٌ من الله ؟
ــ نعم، يا حبيبتي.
فأجابت: إذن لن يضيعنا.
مِن أيّ امرأة نستطيع أن نتخيّل ! أو في أيّ زمنٍ من الأزمنة، بهذا التسليم والرضا واليقين؟
وبعد زمنٍ طويل عاد الزوج، فإذا بالطفل قد أصبح فتًى قويًّا صالحًا، حسن الخلق والسلوك. وهنا جاء الابتلاء التالي: أن يُؤمر الأب بذبح ابنه قربانًا لله!
إنّها لحظات تمزّق القلب، لكنّها كانت جزءًا من قدرٍ ربّاني أراده الله لحكمةٍ عليا، ليكون إبراهيم عليه السلام مثالًا للصبر، والإيمان، والتسليم الكامل لأمر الله.
هل سمعتم في أيّ حكايةٍ أو قصّةٍ أو روايةٍ من روايات البشر أنّ أبًا يذبحُ ابنَه طاعةً لأمرٍ من السماء؟ لكنّ الابن لم يهرب في الظلام كما قد يتوقّع العقل البشري. ولهذا قلنا إن الأب والابن والأم في هذه القصة جميعًا في مستوى آخر من الإيمان. قال الابن لأبيه :يا أبتِ، افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
ليس هذا فتًى عاديًّا ! ذلك الطفل الذي بكى يومًا عطشانا، فتركته أمّه على الأرض وسعَتْ بين جبلي الصفا والمروة تبحث عن ماء، ذهابًا وإيابًا مراتٍ عدة. وعندما عادت، إذا بالماء يتفجّر من تحت قدمي الصغير، نبعًا صافيا متدفقًا.
ليست هذه أسطورةً تبدأ وتنتهي، بل حقيقةٌ باقية إلى اليوم، أنتم الذين تعيشون في هذا العصر، لديكم الوسائل للذهاب ورؤية ذلك بأعينكم، ذلك الماء المبارك الذي تفجّر من تحت قدمي إسماعيل عليه السلام ، ما زال يجري حتى الآن، ماء زمزم الطاهر، يشرب منه الناس كلّ يوم منذ آلاف السنين، ويُنقل إلى كل بلاد الدنيا.يا للعجب! بل هو العجب كلّه! المعجزة الكبرى الخالدة!




