يا من خُلقتَ على الفطرة، إيّاك أن تعبثَ بما فطرك الله عليه. لا تلتفتْ إلى الأصوات التي تنادي بتشويه هُويّتك الإنسانية، وتُزيّنُ الانحراف باسم الحرّية، والخلل باسم الهوية.
دعني أسألك — يا أخي في الله — ستّة أسئلة: ثلاثة منها بسيطة وثلاثة أخرى خطيرة، هي ليست مجرّدَ خواطر، بل موازين تكشف ما بقي في القلب من نور الفطرة أو ما ران عليه من ظلام الفكر الغربي المنكوس.
الأول: لو رزقتَ بولد على غير تمَام الخِلقة، له عائق على أنفه أو شفته أو في عضوه الظاهري، أكنتَ تقول: هذا خياره، فلذا أتركُه كما هو؟ مدّعيا أن هناك نوعين من البشر ، وُلد سالما صحيحا ووُلد عائقا غير سليم! لا أريد أن أتدخّل في هويّته وشخصيّته، لأنّ هذا خيارُه. أم كنتَ تسعى لعلاجه، وتطلب له الشفاء، وتدعو الله أن يردّه إلى السلامة؟ أليس من الرحمة أن نعالج المريض، ونسعى إلى تحويل خلقته إلى إنسان كامل بغير خلل؟
الثاني: لو رأيتَ تلميذًا يسرِق ما يمتلك أصدقاءُه المدرسيّة من قلم ومِسطرة وممحاة ومال وغيرها.. ، وأدركتَ أنّه مصاب بمرض نفسيّ يدفعه إلى ذلك، كنتَ تقول: هذا حقّه، فلنحترم رغبتَه في السرقة، وليس من العدل أن نتدخّل في حريّته الشخصيّة في السرقة ؟ أم كنتَ ستأخذه للطبيب، وتؤدّبه، وتُعلّمه أنّ الحرّية لا تعني الانحراف؟
الثالث: لو وجدتَ زوجتَك تأكل أحيانا ما يضرّها من تراب أو غيره، أكنتَ ستقول: اختيارها الشخصي، فدعها وشأنها، ومن شأنها أن تأكل ما تشاء وتترك ما تشاء، فليس لنا حقّ في تصحيح عادتها ؟ أم كنتَ ستخاف عليها وتعرِضُها على الطبيب حرصًا على سلامتها؟
الرابع: لو سمعتَ عن شابّ انحرفتْ فطرته حتى تعدّى حدود الحياء مع محارمه، ويتعلّق بفتاة أجنبية ويتعامل معها جنسيّا أكنتَ تقول: حريّته، ما دام راغبًا؟ وهناك كثير من البلدان تسمح لأفرادها الممارسة الجنسية بلا زواج، ولِمَ نحن نتدخّل في غريزته الشخصية؟ أم كنتَ تستعيذ بالله من هذا البلاء، وتبكي خشية أن يصل قومُك إلى ما وصل إليه قوم لوط من دمار؟
الخامس: لو علمتَ أن ابنة صديقك الشابة وهي سليمة جميلة مهذّبة، بل تمنع الزواج وصديقاتها كلّها صارت متزوجة ، ولكن الفتاة — بدلًا من رغبتها في الزواج برجل — أصبحت مولعة بكلب من نوع سانت برنارد ، حتى اتخذته بديلاً عن الزواج الطبيعي، أكنتَ ستبرّر ذلك باسم الحرية؟ أم كنتَ ستبكي على إنسانيةٍ ضاعت، وحياءٍ موؤود، وقلبٍ ميّت؟
السادس: لو عُدتَ إلى بيتك بعد سفر طويل، فوجدتَ زوجتك تدّعي أنها صارت رجلا ، تلبس ثياب الرجال، تردّد أنها غيّرت جنسيتها وهويّتها، فلذا تكره الزوجَ وتُبعده عنها! ثم تراها تقوم بممارسات جنسيّة برجل يدّعي أنه صارامرأة بهويّته! فماذا يكون رأيك ؟ أتقول لها، لكِ الحرّية فيما تشاء، ولكِ حقّ في تحديد هويّتك.
أم كنت ستصرخ في وجه الباطل قائلاً: سبحانك هذا بهتان عظيم!
قد يسأل سائل: لماذا هذه الأسئلة القاسية؟ ولماذا هذا الطرح الحادّ؟ لأن من يعيش في دائرة منزله وأسرته لا يدرك حجم العاصفة التي تضرب العالم اليوم. إنّها عاصفة من الأفكار المسمومة، تُلبِسُ الباطل ثوبَ الحرية، وتغسل العقول حتى تغدو لا تفرّق بين المعروف والمنكر . إنها حُمّى الأهواء التي تسري في القلوب؛ فإذا لم تُحمَ بسياج الإيمان، أحرقتها الشهوات كما تحرق النار الهشيم.
في داخل كلّ إنسانٍ جنةٌ صغيرة، يسكنها الحلم والرجاء، لكن معها أيضًا رغباتٌ جامحة، وأهواءٌ مظلمة، وشهواتٌ لا يجرؤ المرء أن يبوح بها. ولذلك جاءت الشريعة، وجاءت الأخلاق، لتكون صمام الأمان في وجه هذا الطوفان.
فليست القضية قضية حرّية، بل قضية فطرة؛ ومن نازع فطرته فقد نازع ربّه في حكمته، ومن عطّل الضمير فقد عطّل ما جعله الله فارقًا بين الإنسان والبهيمة. لقد خلق الله الذكر ذكرًا والأنثى أنثى، وسوّى كلّ شيء فأحسن تسويته. فمن أراد أن يبدّل خلق الله فقد أعلَن حربًا على الحكمة الإلهية.
إن المعركة اليوم ليست بين أديان، بل بين فطرة محفوظة وفطرة مشوّهة، بين من يقول: ربّنا الله، ومن يقول: أنا ربّ نفسي. فاحذروا أن تخدعكم الشعارات البرّاقة، فإنها في جوهرها سمٌّ زعاف، تريد أن تُطفئ نور الله بأفواهها، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.



