لقد تحدّثنا من قبل عن كثير من التقلّبات النفسيّة والانفعالات المتنوّعة التي تنتاب الإنسان. غير أن ثمة عواصف داخلية وأمواجا خفية تتعلق بالغرائز الجنسية، لا نكاد نعرف عنها إلا قليلا. فلنحاول فهمها موجزا.
الأصل في الإنسان أن تنشأ رغبته الجنسية اتجاه الإنسان نفسه، وهذا هو الطبيعي. لكن هناك من تنصرف رغبته إلى البهائم! بعضهم لا يعدو الأمر عنده مجرد خاطر عابر، بينما يبلغ ذروته عند آخرين حتى يمارسوا الفعل مع الحيوانات. ويعرف هذا الشذوذ باسم "البهيمية" (Bestiality) أو "زوفيليا" (Zoophilia). وقد عرض الأديب بِنوي توماس في روايته "بوت" مشاهد صريحة يتسلّل فيها الناس إلى منتجع مخصوص لهذا الفعل مع الحيوانات.
لكن هناك صنفا آخر لا يشترط أن تكون البهيمة حية. فمجرد رؤية دمى مُحشاة على هيئة الحيوانات قد توقظ فيه شهوة عارمة. وهذا الاضطراب يُسمّى "فلوسوفيليا" (Plushophilia).
ومن أعجب تلك الانحرافات: الشهوة المفرطة تجاه الأموات. فهؤلاء لا يروق لهم الشريك الحي الذي يشاركهم الفعل ويبادلهم الحركة، بل يفضلون جسدا ساكنا لا يتحرك ولا يعارض. والجثة بطبيعتها لا تبدي حراكا ولا مقاومة. وربما نشأ ذلك من خوفه العميق من فقدان شريكه الحي، فاستراح إلى جثة لن تموت مرة أخرى! وإذا فسد العقل، فلا حدود للانحراف! ويعرف هذا الاضطراب باسم "همس الموت" (Necrophilia)
ومن أسوأ الشذوذات: ارتكاب الفعل مع ذوي القربى، وهو ما يُعرف بـ زنا المحارم (Incest) كالأب مع ابنته، أو الابن مع أمه، أو الإخوة فيما بينهم. وقد عرض سوباش شندران في أواخر روايته "صخرة البحر" (Samudrashila) مشهدا من هذا النوع.
وهناك اضطراب آخر أشد بشاعة: "بيدوفيليا" (Pedophilia)، وهو الميل الجنسي إلى الأطفال، وقد صنف في دليل الاضطرابات النفسية DSM-5 على أنه مرض نفسي واضح المعالم. ولا يعلم ما إذا كان هذا التصنيف سيبقى ثابتا في المستقبل، إذ إن كثيرا من الشذوذات الجنسية التي كانت تعد أمراضا في السابق أُزيلت من القوائم تحت ضغوط مختلفة، وهناك قوى عالمية خفية تعمل بجد لدفع هذا الاتجاه وتطبيع تلك الانحرافات.
وهناك نوع آخر من الانحراف، يتمثّل في رغبةٍ مَرَضية تدفع صاحبها لكشف ما يجب ستره في ظروف معيّنة، كأنّ الأنانية لا مكان لها عنده، وكأنّ رؤية الناس لعورته تمنحه متعةً خاصة. فهو يجد لذّة غريبة في أن يطّلع الآخرون على أعضائه المستورة. ويُعرف هذا الاضطراب باسم "استعراضية" ( Exhibitionism) الاستعراض الجنسي أمام الآخرين
أما "السادوكية" (Sadism) فهو الاستمتاع بإيلام الآخر، عضّا وضربا وإهانة وتجريحا، نوع من الاضطراب حيث تتحوّل معاناة الشريك إلى مصدر لذّة عند صاحبه. وفي المقابل يقف من يجد متعته في تلقّي هذا الألم نفسه؛ في العضّ والضرب والشدّ والإيذاء، فيستشعر نشوة غريبة كلما ازداد أذى. وهذا الاضطراب يُعرف بـ "المازوخية" (Masochism).
وبعض المنحرفين لا يشتهون الكائنات الحية أصلا، بل يلتف شغفهم حول الدمى والتماثيل والعرائس المصنوعة، محاولين إشباع رغباتهم مع أشياء جامدة لا روح فيها. ويُعرف هذا الاضطراب باسم "أغالماتوفيليا"(Agalmatophilia).
وليس هذا فحسب، فهناك من يشعر بانجذاب جنسي شديد تجاه أشياء مختلفة كالسيارات، والمعادن، والأثاث، وغيرها من الجمادات، ويسمى هذا النوع ب"الشهواني نحو الأعراض" (Objectophilia). كما توجد فئة يربطها ميل منحرف بالأجهزة والآلات والمركبات تحديدا، ويُعرف اضطرابهم بـ "حب التكنولوجيا"(Mechanophilia).
وهناك أيضا من تثيرهم الصخور والأحجار والرمال وما شابهها من عناصر الطبيعة الجامدة، ويُطلق على هذا الاضطراب ب"ليدوفيليا" (Lithophilia).
يظن الكثيرون أن الميول الجنسية لا تكون إلا في إطار الحيوية والتفاعل، غير أن بعض الانحرافات تكشف عن صور مقلقة من السلوك؛ فهناك من لا يثيرهم إلا الشخص النائم الذي لا يصدر عنه أي ردّ أو حركة، وهو اضطراب يُعرف بـ"السمنوفيليا" (Somnophilia).
كما توجد حالة أخرى أشد غرابة، يصاب أصحابها برغبة منحرفة تجاه من فقدوا القدرة على الحركة؛ كالمصابين بكسور حادّة في العنق أو العمود الفقري، أو الذين أُقعدتهم الإعاقات حتى صاروا يعتمدون على الكراسي المتحركة أو العكّازات. وتُسمّى هذه الحالة "أباسيوفيليا" (Abasiophilia).
وهناك أيضا حالة لا يكاد العقل السليم يتقبّلها؛ إذ يشعر بعض المرضى بإثارة جنسية عند رؤية النجاسات التي لا يطيق أحدٌ النظر إليها أو الاقتراب منها، وهو اضطراب يُعرَف باسم "كوبروفيليا" (Coprophilia) أو "سكاتوفيليا" (Scatophilia). وبجواره أخوه: يوروفِيليا (Urophilia). وهو الانجذاب إلى البول. ثم ابن عمّهما: إبروكتوفِيليا (Eproctophilia)، وهو إثارة الشهوة عند سماع صوت الغازات أو انتشار رائحتها الكريهة!
ومع أن الميل إلى الشباب والنضارة، فإن هناك من تهزّه الشيخوخة وتستفزه التجاعيد والشيب! وهذا يُسمّى ب "جيرونتوفيليا( Gerontophilia).
عادةً ما يفضل الناس أن تكون العلاقة الجنسية في جوّ من الهدوء والسكينة؛ فكلّ ما يتّصل بها يرتبط في الأذهان بالراحة والطمأنينة. غير أنّ بعض المنحرفين يشذّون عن هذا؛ فهناك من تشتعل رغبتهم عند رؤية كبار المجرمين أو المتهمين الأوائل في جرائم القتل! وهذا الاضطراب يُعرَف باسم هَبريستوفيليا (Hybristophilia).
وبينما ينال الإنسان سكينته وراحته النفسية حين يشعر بالنجاح والتقدم، فإن بعض المنحرفين يشتهون العكس تماما؛ إذ تتأجّج شهواتهم عند اعتقادهم أنهم يهلكون، وأن مصيرهم مظلم، وأن اللعنة تلاحقهم. وهذا الانحراف يسمى ب "ستيجيُوفيليا" (Stygiophilia).
وعلى النسق ذاته، يظهر صنف آخر من البشر؛ لا تهتزّ مشاعرهم إلا حين يشعرون بالخطر، أو حين يدركون أن اللصوص يهاجمونهم، وأن ممتلكاتهم تُنهَب وتسلب أمام أعينهم. هذا الاضطراب يُعرف بـ"خريماستستوفيليا" (Chremastistophilia).
كما توجد حالة أشدّ غرابة، يُثار فيها أصحابها عند رؤية النيران تمتدّ في الممتلكات، تلتهمها شيئًا فشيئًا حتى تغدو رمادًا. إنّها شهوة مشتعلة في حضرة الحريق نفسه، ويُطلق على هذا الانحراف اسم بايروفيليا (Pyrophilia).
بل هناك من يستمتع جنسيًّا بشعور الحشرات تمشي على جسده: النمل والذباب والبعوض! وهذا هو "فورميكوفيليا" (Formicophilia).
ومن المرضى من لا تشتعل شهوته إلا حين يراقب الآخرين عراة أو حين يبدلون ثيابهم،، أو حين يشاهدهم في أوضاع جنسية، فيستدرج رغبته من التلصّص والمراقبة. وهذا الاضطراب يُعرف بـ الفويورِيزم (Voyeurism).
ولا تزال هناك انحرافات أخرى يعجز السمع عن احتمالها، وتضيق بها الأسماع لغرابتها وشذوذها. وليكفينا ما تقدّم… فيا لها من شهواتٍ تثير الاشمئزاز!



