تأمَّلْ قليلًا… أيُّ مخلوقٍ هذا الذي تتشابك في أعماقه التعقيداتُ حتى لا يُدرَك لها حدٌّ ولا تُحاطُ بسورٍ؟ إنّه الإنسان! ذلك الكائن العجيب الذي لا يمكن أن تُحصرَ حدودُ جسده وروحه في إطارٍ، ولا أن تُقاسَ آفاقُ فكره وخياله ورغباته وميوله بمقياسٍ معلوم. من ذا الذي يستطيع أن يتعقَّبَ خفايا العقل البشري وما يدور فيه من أفكارٍ وأحلامٍ وشهواتٍ وهواجس؟ ومن ذا الذي يملك أن يُفسِّرَ تقلّباتِه وتناقضاتِه؟ فالإنسان، وإن سار في طريق العقل والوعي والكرامة التي فضَّله الله بها على سائر المخلوقات، يبقى في داخله بحرٌ من الغرابة والتناقض، تتنازعه نوازعُ ساميةٌ ونزعاتٌ وضيعة، وتستيقظ فيه أحيانًا عللٌ نفسيةٌ لا تخطر ببال.
دعني أُريك مثالًا عجيبًا ، رجلٌ أو امرأةٌ يشدّ شعرَه أو حاجبَه أو رموشَه وينتفُها بيده بلا سببٍ ظاهر! أتراه مرضًا في الشعر أو خللًا في الجلد؟ كلا، بل هو داءٌ نفسيٌّ نادر يُسمّى تريكوتيلومانيا – Trichotillomania، وهو نوعٌ من الوسواس القهري يدفع صاحبه إلى إيلام نفسه بشيءٍ لا يدري له عِلّة.
وهناك آخرون يأكلون ما لا يُؤكل — ترابًا، أو ورقًا، أو طلاءً، أو شعرًا ، وكأنّهم فقدوا تمييزهم بين الغذاء والجماد. ذلك أيضًا مرضٌ نفسيٌّ معروف باسم بيكا (Pica) ، وله فروعٌ كثيرة؛ فمَن يأكل الطين يُسمّى مرضُه جيوفاجي (Geophagy) ، ومن يأكل الثلج يُعرف داؤه بـ باجوفاجيا ( Pagophagia )، ومن يبتلع الشعر فهو مصابٌ بـ تريكوفاجيا(Trichophagia ) . كم يختزن هذا الكائن الإنساني من خفايا واضطراباتٍ غامضة، ومن ميولٍ باطنةٍ لا يُدرَك سرّها! في أعماقه تسكنُ نزعاتٌ مدهشة، وأهواءٌ غريبةٌ تُدهش العقول وتثير العَجب. فلنسرْ قليلًا في هذا الطريق المليء بالعجائب، نستعرض بعضًا من تلك الانحرافات والسلوكيات التي تُظهر ضعف الإنسان وغرابة طبيعته…
1- Zoanthropy
يتوهَّم المرءُ أنه تحوَّل إلى حيوان! يصرخُ كصوتِ الحيوان، يتحرَّكُ كحركتِه، ويعيشُ في وَهْمٍ تامٍّ أنّه لم يَعُد إنسانًا. ومنها أنواعٌ متفرعة:
a - Lycanthropy
يظنُّ نفسَه ذئبًا، فيعوي ويهاجم الناس كأنّه مفترسٌ بريّ.
b - Cynanthropy
يعتقد أنه كلبٌ، فيزحفُ وينبحُ ويقلّدُ سلوكَ الكلاب، وقد اجتمع بعضُ هؤلاء مؤخرًا في ألمانيا في لقاءٍ غريبٍ، يقلّدون فيه الكلابَ جماعيًّا!
c – Boanthropy
يتوهَّمُ أنه بقرةٌ أو ثور، فيرعى العشب ويصدر خوارًا، ويعيش في دوّامةٍ من الوهم والاكتئاب.
2 - Cotard’s Syndrome
متلازمة الجسد الميت، يظنُّ الإنسانُ أنه مات فعلًا! يتحدّثُ وكأنه روحٌ بلا جسد، يرفضُ الطعام والشراب، وينكرُ أنّه حيّ، وقد يرفضُ مخالطة الناس بحجّة أنّه لم يعُد من الأحياء!
3 - Capgras Delusion
يتوهّم المريضُ أن أقربَ الناس إليه قد تمّ استبدالُهم بأشخاصٍ مزيّفين يشبهونهم تمامًا! فيرى أمَّه أو زوجته أو ابنه ويقول في يقينٍ غريب: هذا ليس هو، هذا مُنتحِلٌ لشخصيّتِه! وقد وصف هذا المرض لأول مرة عالمُ النفس الفرنسي جوزيف كابغراس عام 1923.
4 - Fregoli Delusion
عكسُ السابق تمامًا! فالمريضُ يظنّ أن جميعَ الناس حوله هم شخصٌ واحدٌ يتنكرُ في صورٍ مختلفة، فيراه مرّةً صديقًا، ومرّةً جارًا، ومرّةً موظفًا في متجرٍ، وكلّهم عنده شخصٌ واحدٌ يتعقّبه ويلاحقه.
5 – Somatoparaphrenia
يشعر الإنسان أن يده أو قدمه ليست جزءًا من جسده! ينظر إليها كأنها عضوٌ غريبٌ أُلصق به، وقد يطلبُ بجدٍّ أن تُزال عنه! وفي المراحل الشديدة تتحوّل الحالة إلى ما يُعرف بـ اضطراب سلامة الجسد – Body Integrity Dysphoria، حيث يحاول المصابُ التخلص من أحد أطرافه عمدًا.
6 - Reduplicative Paramnesia
يتوهّم المريضُ أن المكان الذي يوجد فيه ليس هو مكانه الحقيقي، بل نسخةٌ مكرَّرة منه. فقد يُنقلُ إلى مستشفى في مدينةٍ ما، فيصرخ: لسنا هنا، نحن في مدينةٍ أخرى!
7 – Munchausen Syndrome
يُصابُ صاحبُها بهوسٍ في أن يبدو مريضًا، فيؤذي نفسَه عمدًا ليجذبَ اهتمام الناس وشفقتهم. يجرحُ جسده، ويتعاطى السموم، ويزورُ المستشفيات مرارًا بادّعاء المرض، ويزيّف التحاليل ويُنكر الحقيقة مهما وُوجه بالأدلة.
8- Ekbom Syndrome
يخيَّل إلى المريض أن جسده تعيش فيه حشراتٌ وكائناتٌ صغيرة، فيحكُّ جسمَه بشدّة، وينزفُ جلدُه من فرط الوهم، وهو ما يُعرف طبيًّا أيضًا بـ Delusional Parasitosis – وَهْم الطفيليات.
هذه كلها أوهام لا حقيقة لها، ومشكلة جسدية نفسية يمكن التخلص منها من خلال مزيج من العلاجات الطبية والنفسية، بالإضافة إلى تعديلات في نمط الحياة، وليس العلاج أن يُترك الإنسان إلى حريته المطلقة ليعمل كما يشاء.
يا للعجب! كم يحمل الإنسانُ في داخله من العللِ الخفية والاضطراباتِ المستترة! وكم هو هشّ هذا الكائن الذي يتوهّمُ أنّه أقوى الخلق! ورغم أن لكلِّ مرضٍ علاجًا ودواءً، يبقى الدرس الأكبر هو أن نُدرِكَ عظمةَ الصانع سبحانه، الذي خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، ثم ترك له حرّيةَ العقل والاختيار، فإن استخدمها في الخير يسمو إلى العلى، وإن أساء استخدامها تردّى في أغربِ صورِ الضلال والجنون.



