لقد قرأنا وسمعنا عن أنواع كثيرة من الانحرافات أو الاضطرابات الجنسية التي تُبتلى بها بعض النفوس البشرية، وهي في جوهرها حالات مرضيّة أو اختلالات نفسية تصيب الأفراد. غير أنّ الملفت في واقعنا اليوم هو ظهور جماعات تحاول أن تُشرعن لأنفسها أنماطا شاذّة من السلوك الجنسي، زاعمة أنّها “هُويّات” قائمة بذاتها، ثم تُعلن أنها “مجتمعات” مستقلة ينبغي الاعتراف بها. فلنلقِ نظرة على بعض هذه الفئات الغريبة.
لطالما علِم الناس أن البشريّة خلقت على نوعين: ذكرٌ وأنثى. وفي حالات نادرة جدا يولد أشخاص بصفات جنسية مختلطة أو غير واضحة، وهؤلاء يسمّون في الإنجليزية Intersex، وفي العربية " خنثى". ولهؤلاء أحكام واضحة في الشريعة.
لكن هناك فئتان أخريان ينبغي ذكرُهما: فئة يولد أصحابها ذكورا كاملين، لكن ميولهم ومشاعرهم الأنثوية طاغية، فيحبون ما يخص النساء ويعيشون مثلهن، وهؤلاء يسمّون ب"مخنث". وعلى العكس منهم نساء كاملات الخلقة يحملن مشاعر وميولا ذكورية غالبة، يسمين ب"مترجلات".
وهؤلاء جميعا ليسوا مسؤولين عن أصل الميل الفطري، ولهم في الشريعة أحكام واضحة تحفظ كرامتهم وتعالج ما يمكن علاجه.
إن الطبيعة الإنسانيّة في أصلها قائمة على التكامل بين الذكر والأنثى، فذلك هو الأساس الفطري الذي تُبنى عليه منظومةُ الجنس البشري. ويُشار إلى هذا المبدأ بمصطلح “معاييرية المغايرة” (heteronormativity). وقد خُلِق الذكرُ والأنثى على هيئة يتكامل فيها كل منهما مع الآخر تكاملا مقصودا. والغرض من هذا النظام ليس الاستمتاع فحسب، بل استمرار وجود البشرية من خلال التكاثر المشروع.
غير أنّ رؤية جديدة بدأت تنتشر، تنظر إلى الجنس باعتباره متعة مجردة مثل الطعام والشراب، لا صلة له بالقداسة والكرامة، ولا بالمعنى الإنساني، ولا بالخصوصية التي فطر الله الناس عليها. وهي تتعامل معه كمجرّد لذة عابرة، لا كحاجة إنسانية رفيعة ذات معنى وغاية. وبذلك تُنتزع عن الجنس قدسيته وحرمته، ليُختزل في نزوات ورغبات طارئة تفتح الباب لتسويغ الأهواء والشهوات دون أي اعتبار لقيم أو حدود.
وترد في الفصل التالي قصة عن شخص شبه العلاقة الجنسية بشراء "اللادو" أو تقشير موزة وأكلها، وما إن لمح امرأة فأثارته حتى انقطعت عنه كل المعاني! هذه الحادثة – التي يجب قراءتها بتركيز – تكشف أن الجنس ليس متعة يمكن مساواتها بسائر المتع، بل هو أمر بالغ الخصوصية، مرتبط بعملية التكاثر الإنساني، ومشبع بقداسة فطرية لا يجوز انتهاكها. فلا يليق بالإنسان أن يتحول إلى مجرد كائن يلهث خلف شهواته كالثور الهائج أو الديك المطارد، بعيدا عن وعيه وكرامته..
ولكن من الأسف، هذا هو الاتجاه الذي تسير إليه بعض المجتمعات؛ فهناك محاولات حثيثة لابتداع هويّات جنسية جديدة بعيدة عن الفطرة، وفرضها على الناس باسم الحرية والحقوق، مما يهدد المجتمع وأخلاق الأجيال القادمة.
ومن ادعاءاتهم الخطيرة:
أنّ “الذكر” طرفٌ، و“الأنثى” طرفٌ آخر، وما بينهما طيف واسع من الهويّات التي لا تُحصى، مثل ألوان قوس قزح. ولا ننكر أن هناك رجالا يغلب عليهم شيء من الرقة الأنثوية، أو نساء يغلب عليهن شيء من خشونة الذكورة، فقد أشرنا إليه من قبل. لكن ما عدا ذلك مما نُحتت له أسماء غريبة ليس إلا انحرافات مصطنعة.
وفيما يلي بعض تلك “الهويّات” كما يسمّونها:
١. المثليّة النسائيّة (Lesbianism)
وهي ادّعاء أنّ المرأة لا تحتاج إلى رجل، وأنّها قد تتزوّج امرأة مثلها، وقد شرّعت بعض الدول هذا النوع من الزواج.
٢. المثليّة الذكوريّة (Gay)
وهو عكس السابق تماما: رجل يرفض الزواج من النساء ويصرّ على الارتباط برجل مثله، ويعتبر ذلك “زواجاً”.
٣. ثنائيّو الميل (Bisexuality)
من يزعم أنه يميل إلى الذكور والإناث معا، ويريد أن يقيم علاقات جنسيّة مع الطرفين.
٤. ثلاثيو الجنسية (Trigender)
من يقول: أنا ذكر وأنا وأنثى وأنا كلاهما معا، ولا يحق لأحد أن يعرفني”.
٥. رباعيو الجنسية (Quadgender)
من يدّعي أن له أربع حالات جنسانيّة مختلفة.
٦. المتعدّدو الجنسية (Pangender)
من يقول إنه اجتمع فيه كل الهويّات الجنسيّة
٧. اللاجندري (Agender)
من يرى أنّه بلا جنس، كأنه قطعة خشب لا ذكر ولا أنثى.
٨. مجهول الجنسية (Anongender)
شخص يزعم أنّه لا يعلم ما هو، ولا يريد لأحد أن يعلم.
٩. الجنسية النجمية (Stellagender)
يربط هويّته بتلألؤ النجوم وبريقها!
١٠. الجنسية الروحانية (Etherealgender)
من يزعم أنّ جنسه يُستمدّ من عالَم غيبيّ أو كيان فوق أرضي.
١١. الجنسية الهوائية
من يقول إنّ هويته “نسيمة عابرة تتشكل كيفما اتّفق”.
١٢. الجنسية الكريبتووية (Cryptogender)
من يدعي بأن هُويّته الجنسية في حالة من الغموض الشديد، إلى حدّد لا يستطيع أحد كشفه، بل ولا أستطيع أنا نفسي تمييزه أو إدراكه بدقة.
١٣. الجنسية السائلة (Gender-fluid)
من يقول إن هويته تتغيّر كل يوم وساعة، لا تستقرّ على حال.
١٤. جنسية نصف ذكر (Demiboy)
من يدعي أن نصفه رجل ونصفه شيء آخر.
١٥. نصفُ أنثى (Demigirl)
من يدعي إنّ نصفها فقط امرأة.
وهذه أمثلة قليلة، وإلا فالقائمة تطول حتى لا نهاية. غير أنّ الكارثة الكبرى ليست في كثرتها، بل في الدعوة إلى تركها بلا علاج، بل وصل الحال إلى أن من يقترح معالجة هذه الاضطرابات يُتّهم بمعاداة الحريّات! حتى لو طلبنا العلاج، ينبري بعض “المصلحين” ليقولوا: لا، لا يجوز! هذه حريته… هذه هويته… هذا اختياره… دعوا كلّ إنسان يفعل ما يشاء، يتزوّج من يشاء، ويتحوّل إلى ما يشاء، فهذا حق من حقوقه!"
وهذا هو الانحطاط بعينه. فكما لا يصير الإنسان بقرة لو أكل العشب، ولا كلبا لو نبح، كذلك لا يصبح المرء جنسا آخر لمجرد الوهم أو الرغبة. ومعظم هذه الانحرافات قابلة للعلاج النفسي المستمر، ولكنّ دعاة “التقدّم” يريدون ترك المريض يتخبّط باسم الحرية.



