الحديث النبوي وتعريفه:
كلمة الحديث في اللغة تستعمل بمعنى الكلام وبمعنى الجديد. وأما في الاصطلاح الشرعي، فالمراد بالحديث ما يُنقل عن النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ. وبناءً على ذلك، تنقسم الأحاديث إلى ثلاثة أنواع:
- الحديث القولي: هو ما قاله النبي ﷺ بلسانه. كالحديث المشهور الذي رواه الإمام البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرئ ما نوى. فهذا الحديث قوليّ.
- الحديث الفعلي: وهو ما روي عمّا صدر من النبي ﷺ من أفعال وأعمال وعادات، كما روي عن عليّ رضي الله عنه: كان النبي ﷺ يقرأ القرآن ما لم يكن جنبًا. فهذا الحديث قوليّ.
الحديث التقريري: وهو إقرار النبيّ ﷺ على شيء إمّا بسكوته أو بعدم إنكاره، سواء كان قولًا أو فعلًا. ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر: كُنَّا في زَمَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نَعْدِلُ بأَبِي بَكْرٍ أحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أصْحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لا نُفاضِلُ بيْنَهُمْ. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف هذه العادة ولم ينكرها , فهذا الحديث تقريري. ومثال آخر عن الحديث التقريري ما رواه الصحابي زارع بن عامر بن عبدالقيس العبدي: لمَّا قدِمنا المدينةَ فجعلنا نتبادرُ من رواحِلِنا فنقبِّلُ يدَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ورجلَهُ. فصار ذلك من الإقراربالسكوت.
وقد يُطلق على الحديث أيضًا اسم السنة. السُّنَّةُ في اللُّغةِ هي: الطَّريقةُ أو الطَّريقُ . وأما اصطلاحًا، فتستعمل السنة في ثلاثة معانٍ:
- السنة بمعنى الحديث النبوي، كما يُراد حين يقال: القرآن والسنة.
- السنة بمعنى العمل الذي يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه، أي غير الواجب.
- السنة بمعنى ما ثبتتْ مشروعيته في الإسلام، أي دليلًا على حكم شرعي أو توجيه.
الحديث النبوي ليس مجرد كلمات تُروى، بل هو منهج للحياة، ودليل لكلّ زمان ومكان. إنه النور الذي يبدّد ظلمات الجهل، والميزان الذي تُوزن به الأقوال والأفعال. ففي كلّ باب من أبواب الحياة، نجد في الحديث هدايةً للسائرين، ودواءً للقلوب الحائرة، وحلولًا لمعضلات الوجود.
الحديث النبوي تفسير وهدي متّبع للقرآن الكريم ، قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم}[سورة النحل: 44]. فالقرآن هو وحي الله المتلو، والحديث هو البيان النبوي لذلك الوحي. ولا يُمكن فهم معاني القرآن فهمًا تامًا – ظاهرها وباطنها، محكمها ومنسوخها – إلا بنور السنة وهدي الحديث.
يقول سفيان الثوري: ما عملٌ أفضل من الحديث إذا صحَّت النية، وقال أيضا : ما يَعْدِله شئ لمن أراد به الله. فالحديث ليس علمًا فحسب، بل هو طريقٌ إلى رضى الله تعالى، وسُبُلُه مليئة بالبركة لمن تعلّم أو علَّم أو نقل أو بلّغ . لقد أدرك الصحابة هذا الشرف العظيم، فبعد رحيل النبي ﷺ، حملوا كلماته في قلوبهم، وجابوا بها الدنيا، ينشرون هديه كما تُنشر أنفاس الرحمة: فكان الناس إذ يَرَونَهم، كأنهم يَرَونَ النبي ﷺ نفسه، لأنهم كانوا مرآةً صافيةً لسنّته، ولسانًا ناطقًا بحديثه.
ثم تناقل التابعون تلك الأحاديث جيلاً بعد جيل، حتى صار نور الحديث سلسلةً لا تنقطع، تصل بين قلب النبي ﷺ وقلوب المؤمنين إلى يومنا هذا. فما زالت الأمة – إلى اليوم – تتفيأ ظلال سنته، وتستضيء بنور أقواله وأفعاله؛ فكلّ ابتسامةٍ تبعث الأمل، وكل دمعةٍ تذكّر بالرحمة، فيها صدى من سيرة النبي ﷺ.
وفي حجة الوداع، دعا النبي ﷺ بالبركة لمن ينقل حديثه، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها. بل ودعا ﷺ دعاءً خاصًا لأهل الحديث في حديث رواه ابن عباس ، فقال حين سُئل عن خُلَفائه: هم الذين يُعلّمون حديثي ويُبلّغونه أمتي. فهنيئًا لكل من حمل حديث النبي ﷺ بقلبٍ مخلصٍ ولسانٍ صادق، يبلّغ عن رسول الله كما بلّغ هو عن ربّه. إنه شرف الرسالة، وأمانة النور، ودليل السالكين إلى طريق الله المستقيم.
رحلة في طلب الحديث
لم يكن جمع الحديث الشريف أمرًا سهلًا أو ميسورًا، بل كان طريقًا مفروشًا بالتعب والصبر، تسلكه قلوبٌ ملأها الحبّ لرسول الله ﷺ، وأرواحٌ باحثة عن النور الذي أشرق من كلماته. وذكر الخطّيب البغدادي قصة مؤثرة عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال: بلغني حديثٌ عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريتُ بعيرًا، ثم شَدَدْتُ عليه رَحْلي، فَسِرْتُ إليه شهرا، حتَى قَدِمتُ عليه الشَّام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقُلت للبوَّاب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يَطَأُ ثوبه فَاعْتَنَقَنِي، وَاعْتَنَقْتُهُ، فقلت: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القِصَاص، فخشيتُ أن تموت، أو أموت قبل أنْ أسْمَعَه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُحْشَرُ الناسُ يوم القيامة - أو قال: العباد- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا.
قال: قلنا: وما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء. ثم يناديهم بصوت يَسْمَعُه مَن بَعُدَ كما يسمعه مَن قَرُبَ: أنَا الملِك، أنا الدَيَّان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار، أن يدخل النارَ، وله عِنْد أحد من أهل الجنة حقٌّ، حتى أَقُصَّه منه، ولا ينبغي لأحد مِنْ أهل الجنَّة أَن يَدْخُل الجنَّةَ، وِلَأحَد مِن أهْل النَّار عِنْدَه حقٌّ، حتى أقصَّه منه، حتَّى اللَّطْمَة قال: قلنا: كيف، وإِنَّا إِنَّما نَأْتِي اللهَ عزَّ وجّلَّ عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ ( يعنى فكيف القصاص ليس في أيديهم شيء؟) قال: بِالحَسَنَات والسيِّئَات. ( يعنى بتحويل الحسنات والسيئات بين الظالم والمظلوم)
هكذا كانت الرحلة من أجل حديثٍ واحد تستحق أن تُقطع لأجلها المسافات الطويلة، وأن يُبذل فيها الجهد والمال والوقت. كان الصحابة رضوان الله عليهم يحفظون أحاديث النبي ﷺ في صدورهم كما تُحفظ الجواهر في الصناديق النفيسة، ينقلونها بصدقٍ وحرص، كأنهم ينقلون شعاعًا من نوره، أو نفسًا من أنفاس رحمته. وبفضل تلك الهمم العالية، وصلتنا السنّة النبوية صافيةً رقراقة، تحمل إلينا اليوم صدى صوت النبي ﷺ، وكأننا نسمعه يقول: بلّغوا عني ولو آية.
حملة الحديث النبوي
كان بين أصحاب رسول الله ﷺ رجالٌ نذروا حياتهم لحفظ سنّته ونقلها إلى الناس. فمنهم أبو هريرة رضي الله عنه، الذي لازم النبي ﷺ ملازمة التلميذ المخلص لمعلمه، فأكرمه الله بحفظ 5374 حديثًا، نقلها إلى الأمة، فصار أكثر الصحابة روايةً عن النبي ﷺ.
ويأتي بعده عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن، وقد روى 2660 حديثًا. ثم أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي كانت من أعلم الناس بسيرة النبي ﷺ وشؤون بيته، فنقلت إلى الأمة 2210 أحاديث، حملت فيها دقائق الهدي النبوي في الحياة الخاصة والعامة.
وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 1630 حديثًا، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه 1560 حديثًا، وأنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله ﷺ الذي عاش في خدمته عشر سنين، نقل إلى الأمة 1286 حديثًا.أما أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، فقد روى 1170 حديثًا.
لقد امتدّ عصر الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ مباشرةً إلى مطلع القرن الثاني الهجري، وكان آخر من توفي منهم الصحابي الجليل عامر بن واثلة الليثي رضي الله عنه. ثم جاء بعدهم التابعون، وهم الذين لقوا الصحابة وتعلّموا منهم الحديث. و قسمهم الإمام مسلم إلى ثلاث طبقات:
- الطبقة الأولى: هي الطبقة العليا، وتضم الذين لقوا عدداً من كبار الصحابة ورووا عنهم.
- الطبقة الوسطى: تشتمل على الذين رووا عن عدد من الصحابة، كالصحابة المتقدمين وكبار التابعين.
- الطبقة الثالثة: تشمل التابعين الذين لم يرووا عن كبار الصحابة، بل عن التابعين الذين سبقوهم.
وقد عُرف في المدينة المنورة وحدها 355 تابعيًا، منهم 139 في الطبقة الأولى، و129 في الثانية، و87 في الثالثة.
وكان الاعتماد الأكبر في صدر الإسلام في حفظ الحديث على الذاكرة القوية والحفظ الدقيق، لكن بعض الصحابة كانوا يدوّنون ما يسمعونه كتابةً. فقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يكتب كل ما يسمعه من رسول الله ﷺ، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يكتب ما يسمعه من عائشة رضي الله عنها.
بل جاء أحد الأنصار إلى النبي ﷺ يشكو ضعف حفظه، فأرشده النبي ﷺ بقوله: استعن بيمينك. أي اكتُبْ ما تسمع. ومن هنا بدأ تدوين الحديث في حياته ﷺ.
وكان أول من جمع الأحاديث في كتابٍ هو عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيفته المشهورة "الصحيفة الصادقة"، وقد ضمنها ألف حديثٍ نبوي. ثم جاء بعده همّام بن منبّه، فدوّن كتابه المعروف "الصحيفة الصحيحة"، وهو من أقدم ما وصل إلينا في هذا الباب.
وقد ورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ نهى عن كتابة الحديث في بداية الإسلام، وكان ذلك خوفًا من اختلاطه بالقرآن الكريم، في زمنٍ كان الناس حديثي عهد بالوحي. لكن هذا المنع كان مؤقتًا، ثم أذن النبي ﷺ لاحقًا بالكتابة، حين استقرّ القرآن في الصدور، وصار يُفرّق بوضوح بين كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
نشأة تدوين الحديث وتطوره
مع مرور الزمن وانتشار الإسلام في الآفاق، كثُر الداخلون في دين الله، وتفرّق الصحابة في البلدان يدعون ويعلّمون، ثم بدأت أرواحهم الطاهرة تفارق الحياة واحدًا تلو الآخر. ومع رحيلهم، خشي العلماء أن تضيع الأحاديث النبوية التي كانت محفوظة في صدورهم.
ومن هنا برزت الحاجة إلى جمع الحديث وتدوينه كتابةً، حتى لا يندثر هذا النور الإلهي الذي حمله الصحابة عن النبي ﷺ. فأصدر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى ولاته وعلمائه في الأقاليم، أن يجمعوا أحاديث رسول الله ﷺ ويكتبوها، وقال في رسالته المشهورة:
انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه واحفظوه، فإني أخاف دروس العلم وذهاب العلماء. فكان هذا الأمر بداية مرحلة التدوين الرسمي للحديث الشريف. وكان من أوائل من استجاب لهذا التوجيه الإمامان الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة، ثم تتابع العلماء في هذا الطريق المبارك.
وفي المدينة المنوّرة ألّف الإمام مالك بن أنس كتابه العظيم الموطأ. وفي مكة دوّن عبد الملك عبد الرحمن الأوزاعي بن جريج أحاديثه، وفي الشام برز عبد الرحمن الأوزاعي، وفي الكوفة جمع سفيان الثوري أحاديث النبي ﷺ، وفي البصرة دوّن حمّاد بن سلمة بن دينار ما حفظه من السنن.
ازدهر علم التدوين في الأحاديث النبوية، وظهرت له أنواع من التصنيف تميزت كل منها بطريقة خاصة في الجمع والترتيب. ومن أبرز هذه الأنواع:
1) الجوامع
جمع جامع ، وهو الكتاب الذي يجمع كل أبواب الدين: من العقيدة والعبادات والمعاملات والتفسير والسيرة والأدب وغيرها. ومن أمثلته الجامع الصحيح للإمام البخاري والجامع للإمام الترمذي. أما صحيح مسلم، فرغم مكانته، لا يُعدّ جامعًا بالمعنى الدقيق؛ لأنه يجمع أحاديث قليلة في التفسير والتاريخ.
2) السُّنَن
وهي الكتب التي تقتصر على أحاديث الأحكام الشرعية، مرتبة على الكتب والأبواب الفقهية من الطهارة إلى الوصية، مرتبة على أبواب الفقه.مثل سنن أبي داود وسنن النسائي وسنن ابن ماجه. ولا تخلو أحاديثها من الموقوفات والمراسيل والمعلقات
3) المسانيد
جمع مسند، ويُرتّب فيه الحديث بحسب أسماء الصحابة الرواة، إما على حسب الفضل، أو النسب القبلي، أو الترتيب الأبجدي. ومن أمثلته مسند الإمام أحمد بن حنبل.
4) المعاجم
جمع معجم ، وهو الكتاب الذي رتبت فيه الأحاديث على مسانيد الصحابة ، أو الشيوخ , أو البلدان ، أو غير ذلك ، والغالب أن يكون ترتيب الأسماء فيه على حروف المعجم ، مثل المعاجم الثلاثة للطبراني، وهي: المُعجْمَ الكبير، والأوسط، والصغير.
5) المصنفات
المصنف في اصطلاح المحدثين: هو الكتاب المرتّب على الأبواب الفقهية، والمشتمل على الأحاديث المرفوعة والمقطوعة، أي: فيه الأحاديث النبوية ، وأقوال الصحابة ، وفتاوى التابعين ، وفتاوى أتباع التابعين أحيانا ، وهذا هو الفرق الوحيد بينها وبين السنن . ومن أمثلة المصنفات، المصنف ، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي والمصنف ، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني .
6) الأجزاء
جمع جزء، وهو كتاب صغير يجمع أحاديث محددة لشخصٍ واحد أو في موضوعٍ خاص، مثل جزء رفع اليدين في الصلاة للبخاري.
7) الأربعينيات
وتضم أربعين حديثًا في موضوعٍ واحد أو متفرّق، مثل الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله.
8) المُسْتَخْرَجات
وهو الذي يورد أحاديث كتابٍ مشهورٍ بأسانيد مختلفة عن مؤلفه الأصلي، مع اجتماع السندين في شيخٍ أو أكثر. وقد صنف كثير من العلماء في هذا النوع على الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث .
9) المُسْتَدْرَكات
وفيه تُجمع الأحاديث التي توافرت فيها شروط كتابٍ معيّن مثل البخاري ومسلم لكنها لم تُذكر فيه، مثل المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري.
10) الأطراف
وهي كتب تذكر طرف الحديث (بدايته فقط) مع الإشارة إلى موضعه الكامل في كتب السنة، تسهيلًا للباحثين.
11) العلل
وتختص ببيان الأحاديث التي فيها اختلاف أو إشكال في السند أو المتن، مع تحليل أسباب ذلك وبيان الصحيح من الضعيف.
وعلى هذا، نشأ علم الحديث الشريف من جهد الصحابة إلى عناية التابعين، ومن تدوين الأئمة إلى نقد العلماء، علمًا دقيقًا قائمًا على الصدق والأمانة، يحفظ للأمة تراث نبيها ﷺ كما نزل في النور الأول، ليظلَّ حديثه المبارك ينير العقول ويهدي القلوب إلى يوم الدين.
نشأة علم نقد الحديث (علم الرجال والإسناد)
ومع مرور الزمن، أصبح تداول الأحاديث النبوية واسعًا بين الناس، فتناقلها المحدثون في الأمصار، وازداد عدد الرواة في كل مكان. غير أن هذا الاتساع جلب معه خطرًا جديدًا؛ إذ ظهر بعض أصحاب الأهواء والآراء المنحرفة الذين حاولوا تحريف الأحاديث أو نسبتها زورًا إلى النبي ﷺ لخدمة أفكارهم ومذاهبهم.
حينئذٍ أدرك العلماء ضرورة التحقق من صدق الرواة ودقة النقل، وأن الحِفاظ على نقاء السنة لا يكون إلا بميزانٍ علميٍّ دقيق يميّز الصحيح من السقيم. فنشأ بذلك التحقيق في الأسانيد، وصار العلماء يتثبتون من كل راوٍ في سلسلة النقل قبل قبول الحديث.
وقد لخّص التابعي الجليل محمد بن سيرين هذه المرحلة بكلمات خالدة قال فيها: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم, كانت هذه الكلمات إعلانًا واضحًا عن ولادة علم الإسناد، وهو المنهج الذي اختصت به الأمة الإسلامية دون سائر الأمم، حتى قال أحد المستشرقين: المسلمون هم أوّل من وضع منهج النقد التاريخي للرواية.
ومع الزمن، تطوّر هذا العلم إلى ما يُعرف بـ علم مصطلح الحديث أو علم الجرح والتعديل، وهو العلم الذي يبحث في عدالة الرواة وضبطهم، واتصال السند، وسلامة المتن من العلل والشذوذ.
أول من ألّف في هذا العلم من العلماء هو القاضي أبو محمد الحسن الرامهرمزي في كتابه المشهور المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي، وهو من أوائل ما وُضع لتأصيل قواعد النقد في علم الحديث . ثم جاء بعده عدد من الأئمة الذين أكملوا بناء هذا العلم العظيم، من أبرزهم: الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، الحافظ أبو نعيم أحمد الأصبهاني، الحافظ أبو بكر أحمد البغدادي. وبفضل جهودهم، استقام ميزان السنة، وأصبحت الأحاديث تُنقَد وتُمحص وفق قواعد علمية دقيقة، تحفظ ما صحّ عن رسول الله ﷺ وتكشف ما لم يصحّ، فبقيت السنة النبوية صافية نقية كما نزلت، حياةً للقلوب ونورًا للحق إلى يوم الدين.
