عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. وهذا الحديث رواه عبد الرزاق عن مَعمر، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي هريرة.
المشكلة هنا ليست في مضمون الحديث، بل في سنده؛ فمن الناحية التاريخية، لا يمكن لابن شهاب الزهري أن يكون قد التقى بأبي هريرة، إذ ولد الزهري في السنة التي توفي فيها أبو هريرة (58 هـ). فكيف يروي عنه مباشرة؟ هذا الانقطاع يسمى في علم الحديث المنقطع.
مفهوم المنقطع ومعايير كشفه
المنقطع بمعناه العام هو كل سند سقط منه راوٍ أو أكثر في أي موضع سواء في أوله أو وسطه أو آخره. أما بمعناه الخاص، فهو السند الذي سقط منه راوٍ واحد في موضع واحد لا على التوالي، فإذا توالى السقوط سمي معضلاً.
ولكشف هذا الانقطاع، يسلك العلماء طرقاً منها:
عدم المعاصرة: كحالة الزهري وأبي هريرة؛ فمن ولد بعد وفاة الراوي لا يمكنه السماع منه.
عدم اللقاء: قد يتعاصر الراويان لكن يثبت تاريخياً أنهما لم يلتقيا قط. مثال ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في حديث منكر (موضوع) يسيء للنبي ﷺ في تعامله مع الحسين رضي الله عنه، حيث بين الخطيب أن الراويين سعيد بن عامر وقابوس لم يلتقيا أبداً؛ فسعيد بصري وقابوس كوفي، ولم يروِ سعيد إلا عن أهل البصرة.
لقاء بلا سماع: قد يلتقي الراوي بشيخه لكنه يكون طفلاً صغيراً لا يعي الرواية، كحال الحسن البصري مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فقد رآه في المدينة وهو طفل، لكنه لم يسمع منه حديثاً بعدما رحل عليٌّ إلى الكوفة.
التدليس
من أنواع المنقطع الخفي ما يسمى التدليس، وهو مشتق لغة من الدَّلَس أي الظلمة، ويقصد به إخفاء عيب في السند ليظهر بمظهر الحسن. وله نوعان:
١). تدليس الإسناد:
وهو أن يروي الراوي عمن عاصره ولقيه ما لم يسمعه منه، مستخدماً صيغاً تحتمل السماع مثل عن فلان أو قال فلان، متجنباً التصريح بقوله حدثني أو أخبرني.
مثلا: حديث نهى فيه النبي ﷺ عن ثمن الميتة والخمر ومهر البغي. رواه الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم عن عليّ. لكن الحافظ الحاكم كشف أن الحسن لم يسمع هذا الحديث من حبيب مباشرة، بل سمعه من عمرو بن خالد (وهو ضعيف)، فأسقط الحسنُ عمراً لضعفه وروى مباشرة عن حبيب ليوهم بقبول الحديث.
٢). تدليس الشيوخ:
وهو أن يذكر الراوي شيخه باسم أو كنية أو لقب غير معروف كي لا يُعرف حاله.
مثلا: كان الثوري يروي عن شيخه إبراهيم بن هراسة (وهو ضعيف) فيسميه أبا إسحاق الشيباني. والسبب أن هذا الاسم الأخير مشهور لراوٍ آخر ثقة هو سليمان الشيباني، فيلتبس الأمر على السامع ويظن أن الحديث صحيح.
دوافع التدليس وحكمه
تتعدد أسباب التدليس؛ فقد يكون لصغر سن الشيخ، أو عدم شهرته، أو لضعفه، أو حتى لإيهام كثرة الشيوخ.
وقد وقع في التدليس أئمة كبار كالثوري والأعمش وابن عيينة، لكن تدليسهم لم يكن بقصد الغش، بل لأنهم لا يدلسون إلا عن ثقات، أو لأن الحديث قد ثبتت صحته عندهم من طريق آخر.
أما عن حكم قبول حديث المدلس، فقد انقسم العلماء إلى ثلاث طوائف:
الرد مطلقاً: لأن التدليس نوع من الخداع يقدح في عدالة الراوي.
القبول إذا كان ثقة: فالعدل لا يدلس إلا عن عدل مثله.
التفصيل وهو المعتمد: يُقبل حديث من عُرف عنه أنه لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة، ويُرد حديث من يدلس عن الضعفاء والمجهولين ما لم يصرح بالسماع. وهذا مذهب الشافعي ويحيى بن معين وغيرهم.
إنّ سدّ ثغرات الإسناد هو ما حفظ لنا الدين من التحريف. فـالمنقطع بجميع صوره بما فيها المدلس يمثل تحدياً لنقاء الرواية، والعلماء لم يقبلوا إلا ما اتصل سنده برواة عدول ضابطين، لضمان وصول كلمة النبي ﷺ إلينا كما نطق بها تماماً.
