أُعدّ طعام قليل في أحد البيوت، وكان القصد دعوة النبي ﷺ وحده. ولكن حين ذهب الخبر إليه، لم يكن المصطفى بمفرده، بل كان محاطاً بأصحابه، فجاء معهم جميعاً. لم يستطع أبو طلحة كتمان قلقه، فقال: يا رسول الله، إنما صنعنا طعاماً يسيراً يكفيك وحدك. حينها، وضع النبي ﷺ يده الشريفة على الطعام ودعا بالبركة، ثم أمر بعشرة من أصحابه فدخلوا وأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة آخرين، ثم عشرة.. وهكذا توالى الصحابة زرافات، والكل يأكل ويشبع، وما زال الطعام القليل كما هو في وعائه لم ينقص.
نقل لنا هذه المعجزة العظيمة للعالم أجمع الصحابي الجليل أنس بن مالك، المكنى بـأبي حمزة. كان خادماً للنبي ﷺ طيلة عشر سنوات؛ قدم المدينة وهو ابن عشر، وفارق النبي ﷺ الدنيا وأنس في العشرين من عمره. شارك في غزوة بدر خادماً، وبارك الله له في ماله وولده ببركة دعاء النبي ﷺ، حتى بلغ عدد أبنائه ثمانين ولداً وابنتين، ووصلت ذريته عند وفاته إلى 120 فرداً. وكان أنس رضي الله عنه آخر من توفي من الصحابة في البصرة.
تحمل هذه القصة دلالة على المعجزات النبوية الخارقة، وقد نقلها عن أنسٍ سعد بن سعيد، وعنه نُمير، وعنه عبد الله بن نُمير، وعنه أبو بكر بن أبي شيبة، وصولاً إلى الإمام مسلم.
هذا التسلسل الذهبي للشيوخ والعلماء هو ما يمنح القصة قبولاً ويقيناً؛ فالسلسلة تبدأ من الإمام مسلم الذي أودعها في كتابه صحيح مسلم، ومثل هذا الإسناد يجعل صحة الرواية أمراً مقطوعاً به.
يُطلق على هذه السلسلة من الرواة اسم السند أو الإسناد. وأحياناً يفرق العلماء بينهما؛ فيطلقون السند على رجال السلسلة، والإسناد على عملية رفع الحديث وإسناده إلى قائله.
وللسند مكانة عظيمة في الإسلام، فهو خصيصة تفردت بها الأمة المحمدية دون غيرها من الأمم. يقول الإمام النواوي رحمه الله تعالى : الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وقد ذكر العلامة أحمد كويا الشالياتي رحمه الله تعالى: أن من لا يعرف شيوخه وسنده يظل حائراً متخبطاً بين الناس.
أما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فقد وصف الأمر ببلاغة قائلاً: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل؛ يحمل حزمة حطب وفيها أفعى أو عقرب وهو لا يدري.
فالسند هو النور الذي يميز به الباحث بين الحق والباطل وبين الصحيح والسقيم.
أنواع السند في علوم الحديث
ينقسم السند في علم الحديث إلى عدة أنواع بحسب اتصال السلسلة أو انقطاعها.
أولاً: الحديث المتصل
هو الحديث الذي سلمت سلسلة رواته من أي انقطاع من بدايتها حتى النبي ﷺ. ومعناه لغةً الموصول الذي لم ينبتر. فإذا روى كل راوٍ عمن فوقه مباشرة، سُمي السند متصلاً.
مثلا : حديث إنما الأعمال بالنيات. رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى بسند متصل كالتالي: الإمام البخاري عن الحميدي عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، عن النبي محمد ﷺ.
ولما لم يسقط أحد من هذا السند، عُدَّ حديثاً متصلاً.
ثانياً: الحديث المنقطع
هو ما سقط من إسناده راوٍ واحد أو أكثر. قد يبدو السند متصلاً في ظاهره، لكن المتخصصين في علم الرجال يكتشفون الانقطاع.
مثلا : ما رواه ابن الصلاح عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثيع، عن حذيفة في شأن الخلافة ( إن تؤمِّروا أبا بكرٍ تجِدوه أمينًا زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ وإن تؤمِّروا عمرَ تجدوه قويًّا أمينًا لا يخافُ في الله لومةَ لائمٍ وإن تؤمِّروا عليًّا وما أُراكم فاعلين تجدوه هاديًا مَهْديًّا يأخذُ بكُم الطَّريقَ المستقيمَ) .
ظاهره الاتصال، لكن النقاد وجدوا فيه انقطاعين: عبد الرزاق لم يسمع من الثوري مباشرة، بل من نعمان بن أبي شيبة. الثوري لم يسمع من أبي إسحاق، بل من شريك. لذا يُسمى هذا السند منقطعاً لوجود الفجوات فيه.
ثالثاً: الحديث المعضل
المعضل لغةً هو الأمر المستصعب أو المشكل، واصطلاحاً هو ما سقط من سنده راويان فأكثر على التوالي. وسُمي بذلك لأنه يوقع السامع في حيرة من أمره.
مثلا: ما رواه ابن جريج أن عمر رضي الله عنه مرّ بشاب يصلي، فأمره أن يستقبل السارية لئلا يقطع الشيطان صلاته، وقال: هذا سمعته من النبي ﷺ. ابن جريج لم يعاصر الصحابة ولا كبار التابعين، فهناك راويان على الأقل سقطا من الإسناد التابعي وصحابي آخر، لذا يُعد الحديث معضلاً.
رابعاً: الحديث المعلق
هو ما حُذف من أول إسناده راوٍ واحد أو أكثر. وسُمي معلقاً لأنه يشبه الشيء المدلى من السقف الذي انقطع وصله بالأرض.
مثلا: ذكر البخاري رحمه الله تعالى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال قبل وفاته: إلى الرفيق الأعلى. رواه البخاري من عبد الله بن سالم، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة. لكن الحقيقة أن البخاري لم يسمع من عبد الله بن سالم مباشرة، بل من شيخه مبشر، فبما أنه حذف شيخه، سُمي الحديث معلقاً.
خامساً: الحديث المرسل
هو ما يرفعه التابعي إلى النبي ﷺ مباشرة، مسقطاً بذلك الواسطة أي الصحابي.
مثلا: قول عطاء بن يسار: قال رسول الله ﷺ: اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد.... عطاء تابعي لم يدرك النبي ﷺ، وحيث إنه لم يذكر من حدثه من الصحابة، سُمي الحديث مرسلاً.
حجية هذه الأنواع وقبولها
في ميزان النقد الحديثي، يُعد المتصل هو المقبول بالإجماع. أما الأنواع الأخرى، فهناك تفصيل:
المرسل: يراه الإمامان أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى مقبولاً. وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لا يُقبل إلا إذا اعتضد بمرسل آخر أو بحديث متصل يقويه. وعند الإمام أحمد رحمه الله تعالى روايتان، والأرجح قبوله.
المعلق: الأصل فيه عدم القبول، لكن المعلقات في صحيح البخاري لها شأن خاص؛ لأن البخاري اشترط الصحة في كتابه. ومع ذلك، لا نحكم عليها بالاتصال إلا إذا وجدناها مسندة في موضع آخر من الصحيح.
توضيح لمسألة المعلق في البخاري:
روى البخاري معلقاً في كتاب الطب عن ابن عباس أن: الرُّقْيَةُ تكون بقرآن. ولكونه معلقاً، ساقه في موضع آخر بسند متصل تماماً: البخاري عن زيدان بن مضارب، عن أبي معشر البصري، عن عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، وذكر قصة الصحابة الذين رقوا سيد قوم لديغ بسورة الفاتحة مقابل أغنام، وأقرهم النبي ﷺ قائلاً: إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله.
هنا نرى كيف تحول الحديث من معلق إلى متصل بوجود الرواة الثلاثة بين البخاري وابن عباس. هذه الخصوصية لتعليقات البخاري تقتصر على الصحيح، ولا تشمل كتبه الأخرى كـالأدب المفرد أو التاريخ الكبير.
ينقسم الحديث من حيث السند إلى خمسة أنواع رئيسية. المتصل هو المتفق على صحته، والمرسل محل خلاف بين الفقهاء، أما البقية أي المنقطع، المعضل، المعلق فهي من أنواع الحديث الضعيف لعدم اتصال السند، إلا ما استثني في صحيح البخاري بشروطه.
