يبرز اسمُ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في صفحات التاريخ مرادفًا للعلم والحكمة وروح التفاني. وُلِد بمكة ابنًا للعباس بن عبد المطلب عمِّ النبي ﷺ، فغدا أحد أعلام الأمة، واشتهر بلقب «حَبر الأمة» و«ترجمان القرآن». وكانت حياته مسيرةً مكرّسة لطلب المعرفة وخدمتها.
ما إن وُلد حتّى حملته أمُّه أمُّ الفضل لُبابة بنت الحارث إلى النبي ﷺ، فحنّكه بريقِه ودعا له بالخير، وكانت تلك بشارةَ بدايةٍ مباركة. نشأ في بيت النبوة، واقترب من الرسول ﷺ منذ صغره، حتى خصّه يومًا بدعاءٍ شهير: اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل. وقد أثمرت هذه الدعوة، كما تروي المصادر، انفتاح عقلِه على علوم القرآن حتى صار رئيسَ المفسّرين للقرآن الكريم.
وكان عمره ثلاث عشرة سنة عند وفاة النبي ﷺ، لكنّه شهدَ عن كثب دقائقَ سيرته، وحفظَ من حديثه الكثير، وروى أنّه رأى جبريلَ عليه السلام يأتي النبي ﷺ مرتين، وهو ما يدل على خصوصية قربه منه. وقد جعلته هذه الصحبة موردًا غزيرًا للعلم.
شغفٌ بالعلم
بعد وفاة النبي ﷺ تعمّق ابن عباس في طلب العلم، وكان تفانيه في سبيله مثالًا يُحتذى. فقد قصد بيت أحد الصحابة ليسمع منه حديثًا، فوجد صاحبه نائمًا، فجلس عند بابه منتظرًا، باسطًا ردائه على الأرض، يتحمّل غبار الريح ولا يوقظه. فلمّا خرج الرجل متعجبًا قال له: لو أيقظتني! ، فأجابه ابن عباس: العلمُ مقصدي، ولم أحبّ أن أقطع عليك راحتك. ومثلما سعى إلى العلم سعت إليه العقول؛ فصار مجلسُه مدرسةً يؤمّها التابعون والطلاب، يتدارسون عنده تفسيرَ القرآن والفقه والحديث واللغة، حتى غدا مرجعًا في ميادين متعدّدة من المعرفة.
بين الحُكم والإرشاد
لم تقف شخصية ابن عباس رضي الله عنه عند حدود العلم، بل أظهر كفاءة في الشأن العام؛ فقد أدخله الخليفة عمر بن الخطاب مجلسَ الشورى رغم حداثة سنّه. وحين استنكر بعض كبار الصحابة ذلك، بيّن عمر فضل علمه، وأثبتت أجوبته في المناقشات سعة فهمه ونضجه. وفي عهد الخليفة عليّ بن أبي طالب عُيّن واليًا على البصرة، فأدار شؤونها بالعدل، جامعًا بين القيادة والعلم، شاهدًا على إمكانية اقتران المعرفة بالحكم الرشيد.
حواره مع الخوارج
عندما ظهرت فتنة الخوارج وانقسمت الأمّة، أوفده عليّ رضي الله عنه لمحاورتهم. فدخل عليهم، وردّ شبهاتهم بالحجج من القرآن والسنة، حتى رجع كثير منهم عن مواقفهم. وكان ذلك مثالًا على قوة الحجة والعقل، إذ قاد جماعاتٍ إلى الصواب بسلاح المعرفة دون إراقة دم.
أيامه الأخيرة
عقب التحولات السياسية بعد وفاة معاوية، آثر ابن عباس الانتقالَ من مكة إلى الطائف. وفي أواخر حياته فقد بصرَه، لكن بصيرته بقيت نافذة. وتوفي سنة 68هـ بالطائف، وتقدّم للصلاة عليه محمد بن الحنفيّة أحد كبار التابعين.
لم يكن عبد الله بن عباس شخصًا عاديًا، بل رمزًا للعلم والبصيرة، ومصدر إلهامٍ للطلاب في كلّ عصر. فقد سجّل التاريخُ صبرَه في طلب المعرفة وإخلاصَه في تعليمها بمدادٍ من نور، وأثرى بعلمه ميادين الثقافة الإسلامية كافة، ولا يزال تراثه منارة تهدي الأجيال. وقد روى ما يزيد على ألفٍ وستمائة حديث نبوي.



