يُعَدّ عبدُ الله بنُ عمر رضي الله عنهما من أعلام الصحابة الكبار في تاريخ الإسلام، لا لمكانته بوصفه ابنَ الخليفة الثاني عمرَ بن الخطاب فحسب، بل لأنه عُرف بكونه من أدقّ الناس اقتفاءً لسيرة النبي ﷺ واتباعًا لسنّته في تفاصيلها الدقيقة. أسلم ابنُ عمر في سنٍّ مبكرة، قبل أن يتمّ العاشرةَ من عمره، وهاجر إلى المدينة مع أبيه عمر، ومع أختِه حفصة التي أصبحت لاحقًا زوجًا للنبي ﷺ. ولم يُؤذن له بالمشاركة في بدرٍ وأحدٍ لصِغر سنّه، غير أنّه حين بلغ الخامسة عشرة سُمح له بالمشاركة في حفر الخندق والانضمام إلى صفوف المقاتلين في غزوة الخندق. ومنذ الهجرة حتى وفاته بعد نحو سبعين عامًا، كرّس ابنُ عمر حياته لخدمة الإسلام. وقد أثنى عليه أبو موسى الأشعري وشجّعه، واشتهر بالتقدّم في ميادين العلم والتواضع والسخاء والورع والصدق والزهد والثبات على العبادة.
تلقّى العلمَ مباشرةً عن النبي ﷺ وعن أبيه عمر، وكان يراقب أقوالَ النبي صلى الله عليه وسلم وأفعالَه في مختلف الأحوال بدقّة بالغة. فإذا رأى النبيَّ ﷺ يصلّي في موضعٍ معيّن صلّى فيه من بعده، وإذا شاهده ينزل من بعيره فيصلّي ركعتين، فعل مثل ذلك في الموضع نفسه. وقد رُوي أن النبيّ ﷺ دار ببعيره في موضع بمكة مرّتين ثم نزل فصلّى، فلمّا بلغ ابنُ عمر ذلك الموضع فعل الشيء نفسَه قبل أن ينزل ويصلّي، اقتداءً به. وعن شدة هذا الاتباع قالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن أحدٌ يتتبّع مواضعَ خطى رسول الله ﷺ مثل ابن عمر.
وكان شديد الاحتياط في رواية الحديث؛ فلا يحدّث بحديثٍ حتى يتيقّن من حفظه لكلّ لفظٍ فيه. وقد شهد له بذلك علماء عصره، وروى أكثر من ألفين وستمائة حديثٍ نبوي. وفي الإفتاء في الأحكام الدينية التزم المنهج نفسَه من الورع؛ فقد سُئل مرّةً عن مسألة فأجاب: «لا أعلم». فلمّا انصرف السائل قال مسرورًا: لقد سُئل ابنُ عمر عمّا لا يعلم فقال: لا أعلم، ولم يجد في ذلك حرجًا ولا نقصًا. وعلى الرغم من أهليّته للقضاء اعتذر، لَمّا عرض عليه الخليفة عثمان منصب القضاء، خشيةَ الوقوع في الخطأ عند الحكم في أمور الدين، وهو دليل على شدّة تحرّيه وخوفه من التقصير.
وكان يُلقّب بـ«أخِي الليل»، لكثرة قيامه فيه؛ إذ كان يقضي ساعات الليل في الصلاة والبكاء والاستغفار وتلاوة القرآن. وعُرف كذلك بزُهده وسخائه، فمع غناه كان يُنفق ماله على الفقراء والمحتاجين. ومن شواهد ذلك أنه أُهدي إليه يومًا أربعة آلاف درهم وكساء، فما أمسى الليل حتى تصدّق بها جميعًا. كما رفض ثوبًا فاخرًا أهداه إليه صَديق من خراسان، قائلاً: إني أخشى على نفسي؛ فهذا قد يدفعني إلى الكِبر، والله لا يحب المتكبرين. وكان مجموع ما في بيته من متاع لا يتجاوز قيمة مئة درهم، إذ كان المال عنده خادمًا لا سيدًا.
توفي عبد الله بن عمر سنة 73هـ (693م) بمكة المكرمة عن أربعٍ وثمانين سنة. وقد جعلته ملازمته للسنة ودقته في العلم قدوةً خالدة في المجتمع الإسلامي، ونموذجًا يُحتذى في الاتباع والورع.



