اجتمعت في شخصيّة أنس بن مالك رضي الله عنه صفاتُ الوفاء والعلم، فكانَ خادمًا لرسول الله ﷺ عشر سنين، وأحد كبار رواة الحديث في التراث الإسلامي. وقد منحه قربه الروحي من النبي، وشغفه بالمعرفة، ومشاركته في ميادين الحياة المختلفة مكانةً متميزة في صفحات التاريخ.
وُلد أنس بن مالك في المدينة سنة 612م تقريبًا، ونشأ في كنف أمّه أمِّ سليم، تلك المرأة الصالحة التي ثبتت على الإسلام منذ بواكيره، وكان لها أثر بالغ في تكوينه الروحي والعلمي. وبعد الهجرة إلى المدينة، جاءت بابنها ذي العشر سنوات إلى النبي ﷺ قائلة: يا رسول الله، هذا ابني أنس أخدمه لك. فاستقبله النبي بسرور، ودعا له قائلًا: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له. وقد ظهرت بركة هذه الدعوة في حياته؛ إذ رزق سعة في الرزق وكثرة في الذرّية. عاش أنس عشر سنوات في خدمة النبي ﷺ، وهي منزلة أتاحت له أن يشهد عن قرب تفاصيل حياته وتعاليمه. فكان يراقب أقواله وأفعاله وإقراراته بدقّة، مستفيدًا من تلك الصحبة كنزًا معرفيًا لا يُقدّر بثمن.
عِلمٌ متألّق
لم يكن أنسٌ مجرّدَ خادم، بل طالب علمٍ نهِم، حرص على استثمار كلّ لحظة في تحصيل المعرفة. وبعد وفاة النبيّ ﷺ صار من أكثر الصحابة رواية للحديث، إذ نُقل عنه نحو ألفي حديث، تُعدّ مصدرًا مهمًا من مصادر الفقه والتشريع الإسلامي. وتتميّز رواياته بأنها تنقل صورة حيّة عن حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم الخاصة، وأخلاقه، وعباداته، وهيئته في الكلام والمشي والجلوس، حتى أصبحت نافذة يطلّ منها الناس على شمائل الرسول ﷺ.
ومن أبلغ ما رُوي عنه في بيان خلق النبي قوله: خدمتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشرَ سنينَ ، فما قال لي أُفٍّ قطُّ ، وما قال لي لشيٍء لِمَ أفعلْهُ: ألا كنتَ فعلتَه ؟ ولا لشيٍء فعلتُه : لِمَ فعلتَه ؟ وهي شهادة تُجسّد رفق النبي وعظيم حلمه.
في نشر العلم
لم يقتصر دور أنس على الرواية، بل كان ناشرًا للعلم ومربّيًا للأجيال. فقد انتقل بعد وفاة النبي إلى البصرة، وأسّس هناك مجلسَ علمٍ صار مقصدًا للطلاب، ومن بين تلاميذه الحسن البصري وابن سيرين. وكرّس حياته لتعليم الحديث والإجابة عن أسئلة الناس، محافظًا على نقل تعاليم النبي بدقّة للأجيال اللاحقة.
وشهد أنس أحداثًا ومعجزات وقعت في حياة النبي ﷺ، ومنها أنه روى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا للاستسقاء والسماءُ صافية، فما لبثت الغيوم أن تجمّعت ونزل المطر، ثم دعا بانكشافه فانقطع سريعًا. وهي من الوقائع التي حفظها التاريخ في رواياته.
محبةٌ عميقة
بلغ حبّ أنس للنبي ﷺ مبلغًا عظيمًا؛ فكان يقتدي به في عباداته وعاداته، حتى في طريقة أكله. وقد تركت وفاةُ النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه حزنًا عميقًا، فقال : شهدتُه صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة فما رأيت يوماً قطّ كان أحسنَ ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يوماً قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه صلى الله عليه وسلم. وتُروى عنه كذلك رؤى متكرّرة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في المنام طول حياته.
خاتمة حياته
عاش أنس بن مالك عمرًا طويلًا جاوز المئة، فشهد نشأة الإسلام ومراحل اتساعه. وفي أواخر أيامه فقد بصرَه، غير أنّ شغفَه بالعلم لم يخفت. وتوفي بالبصرة سنة 93هـ ، وكان من آخر الصحابة وفاةً، ودُفن ومعه بعض الآثار التي احتفظ بها من عهد النبي ﷺ.
لقد جسّد أنس بن مالك مثالَ الصحابيّ الأمين الذي جمع بين الخدمة والعلم والمحبّة، فحمل تراث النبوّة إلى الأجيال، وبقيت حياتُه صفحةً مشرقة في سجلّ الحضارة الإسلامية.



