دخل ذلك الشابّ يومًا على رسول الله ﷺ يحمل في يده هِرّةً صغيرة، فعرّفه الناس بعد ذلك بلقبٍ غلب على اسمه: «أبو هريرة» صاحب الهِرّة. وغالبًا ما اختفى اسمُه الحقيقيّ، عبد الرحمن بن صخر، وراء ذلك اللّقب المفعم بالمودّة. وكما دلّل القطَط، حفِظ كلماتِ النبي ﷺ في قلبه بعنايةٍ فائقة وصانها أمانةً غالية.
نشأ أبو هريرة يتيمًا، يعيش حياةً بسيطة لا يعرف التجارة ولا الزراعة. وبلغتْه أخبارُ الإسلام على يد الطفيل بن عمرو من قومه، فأسلم، ثم قدم المدينة في السنة السابعة للهجرة، وكانت المدينة آنذاك في أيام جهادٍ واشتغالٍ بالأحداث. ومع ذلك، لم يكن قلبُه يبحث إلا عن القرب من رسول الله ﷺ. التحق بأهل الصُّفّة، ذلك الملجأ القريب من المسجد، حيث الفقر والجوع رفيقان دائمـان. غير أنّ ذلك لم يكن عنده نقصًا، بل كان يقول في نفسه: لا يهمّني قلّة الطعام، ما دمت أظفر بصحبة النبي. فكان من أشدّ الناس حبًّا له، وألزمهم مجلسًا.
وبينما كان سائر الصحابة ينشغلون بأعمالهم ومعايشهم، جعل أبو هريرة لحظاتِه وقفًا على ملازمة النبي ﷺ، فتهيّأت له فرصة جمع الجواهر النفيسة، وهي الأحاديث. ولم يكتفِ بالسماع منه، بل أخذ العلم عن أبي بكر وعمر وعائشة وغيرهم. ثم صار هو نفسه مقصدًا للرواة، حتى إنّ كبار الصحابة كعمر وعثمان وعليّ كانوا يسألونه عن الحديث. وروى عنه أكثر من ثمانمائة راوٍ.
اللصّ يصدق
وكلّفه النبي ﷺ يومًا بحراسة مال الزكاة، فجاء لصٌّ ليلًا يسرق منه. فلمّا اعتذر بفقره رقّ له أبو هريرة وتركه. وفي الصباح قال النبي ﷺ: إنّه كذبك، وسيعود. وكما أخبرالنبي صلى الله عليه وسلم، عاد ثلاث مرات، وفي كلّ مرة يعتذر، حتى أمسك به في الثالثة. فقال اللصّ: إن تركتَني علّمتُك شيئًا ينفعك. فلمّا سمع ذلك، وافق أبو هريرة. فقال: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ، فإنّ اللهَ يحفظك حتى تُصبح ولا يقربُك شيطانٌ. فلمّا أخبر به أبوهريرة النبيّ ﷺ صباح اليوم التالي قال: صدقك وهو كذُوب، ذاك شيطان.ٌ فكانت الحادثة مشهدًا من صراع الحقّ والباطل في حياة أبي هريرة.
إدارة وجهاد
شهد أبو هريرة مع النبي ﷺ فتح مكة وغزواتٍ كحنين وتبوك. وشارك في حروب الردّة في عهد أبي بكر، وفي الفتوحات ضدّ الفرس زمن عمر. وأظهر كفاءةً إدارية حين تولّى ولاية البحرين. وعندما قامت الفتنة على عثمان، كان مستعدًا للدفاع عنه، لكنّه امتثل لأمر الخليفة بالكفّ. وحين وقع الخلاف بين عليّ ومعاوية، اعتزل النزاع، مع إقراره بخلافة عليّ.
وراء ستار الانتقادات
تعرّض أبو هريرة لانتقاداتٍ بسبب كثرة ما رَوى من الأحاديث النبوية، لكنّ هذه الانتقادات لا تقوم على أساسٍ متين؛ فقد عاش ملازمًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم مدةً لم تتح لغيره. وكان يوضح أنّ ذلك ثمرة قربِه منه. وقد أسيء فهمُ قولِه إنّه لازمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليشبعَ بطنَه؛ إذ بيّن العلماء أنّ مرادَه ما ناله مِن بركاتِ العلم والهدي، لا الطعام. وبعد حياةٍ كرّسها للعلم والدعوة، توفّي سنة 57 للهجرة بالعقيق قرب المدينة، ودُفن في جنّة البقيع.
إنّ حياة أبي هريرة قصةٌ مشرِقة من الشغف بالعلم والمحبّة العميقة للنبي ﷺ؛ ففي اليدين اللتين حملتا هِرّةً صغيرة جرى إلى العالم فيضٌ عظيم من المعرفة الإسلامية، إذ رُوي عنه أكثر من خمسة آلاف حديث.



