هل سمعت من قبل باسم فنّاكوشي غيتشين (Funakoshi Gichin)؟ إن له حركة مشهورة في الكاراتيه تُسمّى ب" إكِّن هِسّاتسو" (Ikken Hissatsu). إنها تقنية كاراتية تُسقط الخصم بضربة واحدة حاسمة. وقد ألف فنّاكوشي كتابا ذائع الصيت بعنوان Karate-Do: My Way of Life، يشرح فيه هذه الأساليب المختلفة وكيفية السيطرة على العدو بدقةٍ وحسم.
و إليك قصة طريفة:
كان أحدهم يبحث يوما في علم القُبلة — نعم، في فلسفة القبلة وذوقها! — وبينما هو في ذلك، وقعت بين يديه مقتطفات من كتاب فنّاكوشي المذكور. قرأه متحمسًا وهو يظنّ أنّه سيجد فيه شيئًا عن «فنّ القبلة» في عصر التكنولوجيا الحديثة، لكن ما إن بدأ بالقراءة حتى ارتفعت حرارته وقال غاضبًا: «ما هذا؟! كتاب في القتل والضرب؟! كيف يكتب المرء كتابًا يدعو إلى العنف والقضاء على الناس ؟!» ثم هاجم فوناكوشي وكتابه بشدة عبر وسائل التواصل، واتّهمه بأنه قاتلٌ متطرّف يروّج للكراهية والعنف والعنصرية، وطالب الحكومة باعتقاله!
الفقرة الأولى من القصة الواقعية، وأما الثانية فهي خيالية فقط. والآن إلى الحكاية التالية.
في إحدى القرى البعيدة، عاش الناس أسابيع من الرعب، فلا يذوقون النوم. لصٌّ غامض كان يقتحم بيوتهم ليلاً بمهارة عجيبة، يسرق الذهب والمال، ويكسر الأثاث، ويمزّق ما تقع عليه يداه. كان يجرّ الحُليّ من أعناق النساء النائمات، وينزع الأقراط من آذانهن، ومن قاومه طعنه بسكين في صدره أو بطنه.
لم يكتف بذلك، بل كان يسرق الأبقار والأغنام، ويذبح الدجاج والبطّ بلا سبب، فقط ليُشبع قسوته. ومؤخرًا بدأ الناس يسمعون إشاعات أنه صار يختطف النساء والأطفال. فقد اختفت موظفة كانت عائدة من عملها مساء، كما فقد ثلاثة أطفال في طريقهم إلى المدرسة. وبلغت الفظاعة ذروتها حين اقتحم بيوتًا فيها نساء فقط ويرتكب فيها ما لا يُقال.
اقتحم بيت عروسٍ مقبلة على الزواج، فاغتصبها، ولما قاومته طعن في فرجها وقتلها، ثم قتل أمها التي هرعت لحمايتها.
ضاق القرويون ذرعا، فعقدوا اجتماعا عاما. سدوا كل المنافذ، وتسلحوا بما وجدوا: حجارة، سكاكين، عصي، سلاسل دراجات وقالوا:هذه الليلة سنقبض عليه حتما!. ظلوا مستيقظين حتى الفجر، لكن اللص لم يأت. وفي الليلة التالية، حين نام الجميع من شدة التعب، اقتحم بيتا كان يستعد لحفل زفاف، سرق الذهب، واغتصب العروس، فعضته في يده، فجن جنونه، وضربها وغرس سكينا في فرجها حتى قضى عليها. وحين حاولت أمّها الدفاع عنها، حطم رأسها حتى ماتت.
عندها اشتعلت القرية غضبا. تجمع الناس من جديد، وانتشروا يحرسون الأزقة. وعند منتصف الليل، ظهر اللص عاري الجسد إلا من لباس قصير، مطلي الوجه بالسواد، مدهون الجسد بالزيت. صاح القوم:"ها هو! أمسكوه!"ورأوه فإذا به واحد منهم! أخذ يجري مذعورا وهم وراءه يصيحون: "اضربوه! اقتلوه!"
لكنني كنت أترقب أحدا يقول: "قبّلوه!" لم يقل أحد، ولن يقول. لأن الوقت وقت مواجهة، لا تقبيل ولا عناق!
ألا تفهم؟ لا تفهم الحين، فستفهمها عن قريب. والآن ننظر إلى بعض المشاهد من التاريخ.
لقد خافوا أن يفقدوا مكانتهم وسلطتهم ونفوذهم، فهاج في صدورهم غليان الكبرياء وغرور الحسد. وتعاهدوا فيما بينهم أن يُطفئوا هذه الدعوة الجديدة بكل وسيلةٍ، وبأي ثمنٍ. فبدأت الحرب أولاً بالتهكم والسخرية، ثم بالتهديد والوعيد، حتى صاروا يخيفون الناس قائلين: "من آمن بهذا الدين سيُهدم بيته، وتقاطع تجارته، ويفقر ماله."
ثم راحوا يزرعون الأشواك في طريق الدعوة، ويصبّون الشتائم على وجوه المؤمنين، ولا يستحون أن يبصقوا في وجه من يدعو إلى الله. وضعوا على رأس النبي ﷺ أمعاء الجمال المنتنة، ولم يلبثوا أن انتقلوا إلى مرحلة التعذيب الجسدي العنيف.
كان بلال بن رباح العبد الحبشي من أشد من نالهم البلاء، إذ جره سيده أمية بن خلف على رمال مكة اللاهبة، ووضع على صدره صخرة عظيمة، وأخذ يضربه بالسياط، لكن بلالا ظل ثابتا كالطود، يهتف من أعماق قلبه: أحد، أحد!
وضربوا الصديق الحميم أبا بكر رضي الله عنه حتى أغمي عليه، فسال وجهه دمًا، وغطّى النزيف وجهه وأنفه حتى لم يعرف من هو. ولم ينقذه إلا تدخل قبيلته بنو تيم، وقد أنقذته دبلوماسيا. وكبلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه بسلاسل الحديد مهددًا بأنه لن يُطلقه ما دام مصرًّا على الإسلام.
أما أبو ذر الغفاري فقد ضُرب مرارًا حتى سقط مغشيًّا عليه. وأُصيب عُثمان بن مظعون في عينه ففقِدت بصرها. وكان عمّار بن ياسر يعذب بالنار، حتى وضع على رأسه حديد محمى. وأمه سمية -أول شهيدة في الإسلام- قتلت قتلة وحشية، إذ طعنها أبو جهل بحربة في فرجها فشهدت.
ولم يسلم النبي ﷺ نفسه من الأذى، فقد قصد الطائف يلتمس مأوى، فاستقبله أهلها بالتهكم والسخرية، ورموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه، وكان معه زيد بن حارثة يحاول حمايته بجسده. ولما ضاقت الأرض بما رحبت، لجأ ومن معه إلى شِعب أبي طالب، فحُوصِروا ثلاث سنين لا طعام ولا شراب ولا تجارة، يراقبهم المشركون من أعالي الوادي حتى لا يدخل إليهم أحد طعاما أو عونا. كانوا يأكلون أوراق الشجر، بل أحيانا ما تأكله البهائم، ويعيشون على الجوع والعطش! ثم اضطر بعضهم إلى الهجرة إلى الحبشة، طلبا للملجأ الآمن.
وما كان ذلك كله أياما معدودة، بل عشر سنين كاملة من العذاب والمقاطعة والاضطهاد! حتى اضطروا في النهاية إلى الهجرة إلى المدينة.
لكن قريشا لم تتركهم حتى في تلك اللحظة. حاصروا بيوت المهاجرين بالسيوف، ينتظرون لحظة خروج النبي ﷺ ليغتالوه، وهيأوا له المطاردين المهرة بوعد الجوائز لمن يأتي برأسه. ومع ذلك، نجا النبي ﷺ وصاحبه، وعبر الجبال والوديان حتى بلغ المدينة المنوّرة.
ولم تهدأ قريش، بل واصل التهديد والوعيد قائلة: «لن نتركهم يعيشون في أمان!».
ومع ذلك، لم يرفعوا سيفًا، ولم يردّوا الأذى بمثله. بل لم يطلبوا حتى الدعاء على أعدائهم! بل قيل لهم: اصبروا، فهكذا كان حال الأنبياء من قبلكم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الارض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على راسه فيجعل نصفين ويمشط بامشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون."
بل إن رسول الله ﷺ حين جاءه مَلَك الجبال وقال له: > «يا محمد، إن شئتَ أطبقتُ عليهم- أهل مكة الذين آذوه- الأخشبين (جبلي مكة).»
قال ﷺ: "بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا."
لقد ازدادت قوّة الجماعة وتماسكها عمّا كانت عليه في الماضي، ولو أرادوا اليوم القتال لقدروا عليه، ولكنّ الإذن لم يُمنح بعد. كانت التوجيهات الإلهيّة في ذلك الحين واضحة المعالم، ترسم طريق الصبر وتكفّ الأيدي عن القتال:
"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (النساء: 77).
"يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين، ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون"(البقرة: 153-154).
في مواقف كثيرة حرجة، طلب بعض الصحابة الشجعان الإذن في حمل السلاح، لكنّ النبي ﷺ كان يمنعهم. ويجب ألا ننسى أنهم تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل الله، فكل ما يملكونه من ثروات تركوه خلفهم في سبيل الحق. أمّا خصومهم فقد استغلّوا ما خلّفوه وراءهم، وتاجروا به واغتنوا. فلما قرر المسلمون أن يسلكوا طريقهم الحق، ثارت في أعدائهم الكبرياء، وازدادوا طغيانا. ومع أنّ بعضهم قال: "لا نريد حربا الآن"، إلا أن الحسد أعماهم، فاجتمعوا بالآلاف يريدون استئصال المسلمين من جذورهم. لقد تجاوزوا كل حدود الصبر والاحتمال وبلغ الأمر ذروته ولم يبق مجال للتراجع، فصدر الإذن الإلهي بالقتال.
ولكن تأمل دقة التعبير القرآني: لم يقل الله تعالى «قاتلوا» بل قال: «أُذِن»، أي رُخص لهم، وكأن الإذن جاء بوقار وهدوء، لا بصيغة ثأر أو انتقام. ثم بين الله من أعطوا هذا الإذن ولماذا:
أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولينصرنّ الله من ينصره، إن الله لقويٌّ عزيز (الحج: 39-40).
ثمّ جاءت الأوامر الدقيقة: لا تتجاوزوا الحدّ، ولا تجعلوا القتال ذريعةً للفوضى، بل التزموا بالميزان الإلهيّ في كلّ خطوة :- وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشدّ من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين.(البقرة: 190-191).
وهكذا بدأت الحرب؛ لا رغبةً في الدماء ولا من اندفاع عدواني، بل نتيجة لضرورة دفاعية. لم يبدأ المسلمون القتال، بل أُجبروا عليه بعد أن هوجموا حتى في البلاد التي هاجروا إليها. إنّه دفاع عن الحق، لا عدوان على أحد.
ولنقرّب الصورة: إذا أمسك أهل قرية بقاتلٍ سفّاح قد قتل الأبرياء ظلمًا، فهل يقول أحدهم: "أكرموه وأطعموه"؟ أم يقولون: "قدّموه للعدالة"؟ الحرب هي الحرب، وليست ميدانًا للمشاعر الناعمة. لا يمكن أن يُؤمر المظلوم بالاستسلام أمام من يريد إبادته. لذلك قال تعالى: «كُتِب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (البقرة: 216). هذا هو صوت القرآن في ميدان القتال: صوت الحكمة والاتزان، لا صوت العنف والعدوان.
والقرآن، في مجموعه، لا يُعالج الحرب وحدها، بل يتناول مئات الموضوعات التي تمسّ جوهر الحياة الإنسانيّة: التوحيد، والنبوة، والوحي، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعدل، والزواج والطلاق، والمعاملات التجارية، والحرب والسلم، والرحمة، والبيئة، والعلم، والخلق، والحياء، وشكر النعم وبرّ الوالدين، حقوق الزوجين والأبناء، حقوق الحيوان، البيئة، الصدق، التواضع، العلم... فهو كتاب هداية شامل، لا كتاب صراع أو عداء.
ومن الأمانة الفكرية أن يُقرأ النصّ في سياقه، وأن تُفهم الآية في موضعها من السورة، والسورة في موضعها من القرآن. أمّا من يُقتطع جزء من آيات القتال مثلًا ويقول: "الإسلام يدعو إلى العنف"، فهو كمن يقرأ فقرة من كتاب في فنون القتال مثل كتاب فنّاكوشي، ثمّ يتّهم المؤلف بترويج العنف، متجاهلًا أن السياق تعليمي أو دفاعي.
وأختم بذكر واقعة واحدة، وهي تُظهر عدالة الإسلام ونقاء مبدئه في الحرية الدينية. فقد احتجز أحد المسلمين ابنيه اللذين اعتنقا النصرانية، وأبى أن يطلق سراحهما حتى يعودا إلى الإسلام. فذهب النصارى إلى النبي ﷺ يشكون الأمر، فنزل قول الله تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ» (البقرة: 256).
وبذلك أعلن الإسلام مبدأً خالدًا: لا إكراه في الإيمان، لأن الحقّ بيّن كالنور، والباطل واضح كالظلام. ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. والذي لا يرى الشمس في رابعة النهار، فليعلم أن العيب ليس في الشمس، بل في العيون التي غشاها العمى.



