من له قدمان يستطيع أن يشارك في سباق المشي والعدو، وربما يفوز بالمركز الأول. ومن له يدان يستطيع أن يشارك في مسابقات المصارعة أو التسلق وينال النجاح. لكن ماذا عن الطفل الذي فقد أطرافه أو أُصيب بإعاقة تفقده القدرة على الحركة؟ أليس إنسانا هو أيضا؟ لهذا السبب عقد المعلم الياباني "كوبايـاشي" مسابقات خاصة لأولئك الأطفال، كما ورد في قصة "توتّو تشان". إن لم تكن قد قرأتها، فاقرأها لتفهم عمق المعنى.
تخيّل أن نرسم خطا على الأرض، ثم نأمر الجميع بأن يقفوا على جهة واحدة منه دون النظر إلى من يستطيع ومن لا يستطيع، من يملك القدرة ومن لا يملك، من هو غني أو فقير، صحيح أو مريض. أليس هذا ظلمًا؟ فالحياة ليست سطرًا واحدًا، والناس ليسوا نسخا مكررة. لكل ظروفه واختباراته التي قد تنقلب عليه في أي لحظة.
من هنا، جاء الإسلام بمنهجه الواقعي، الذي يمنح الإنسان طاقة للحركة نحو النجاح مهما اختلفت أحواله وتبدّلت قوّته. لقد أدرك الإسلام أن تطبيق قاعدة واحدة جامدة على جميع الناس لا يصلح، فهو لا يؤمن بمبدأ “الضربة الواحدة للجميع”، بل وضع لكل حالة ما يناسبها من الأحكام والرخص.
وكما أن السيارة لا يمكن أن تسير على ترس واحد طوال الطريق، بل تحتاج إلى التنقل بين التروس المختلفة بحسب الموقف، كذلك الإسلام يمنح الإنسان مرونة تشريعية وروحية تجعله قادرا على السير في طريق الله في كلّ حالٍ ومقام.
في الإسلام، كلّ فرد هو ناشط اجتماعيّ بطريقته، وعليه أن يتفاعل مع ما يحدث حوله. فهو ليس إنسانا منغلقا على نفسه يقول: “ما شأني بالناس؟”.
فلو كنت تسير في الطريق ورأيت فتى يضرب آخر، فلا يصح أن تتجاهل الموقف وتفكر فقط في محل العصير القريب لتروي عطشك! بل عليك أن تتدخل وتمنع المنكر بيدك إن استطعت. فقد قال النبي ﷺ: “من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده.”
لكن، إن رأيت في محل العصير أن البائع يخلط الفواكه الفاسدة بالعصير، فليس الحلّ أن تضربه! هنا يأتي دور اللسان؛ تكلّم معه بلطف، وانصحه بالحكمة. فالحديث نفسه يكمُل: “فإن لم يستطع فبلسانه.”
وإن مررت بمكان فرأيت جماعة يشربون الخمر ويعبثون، فلا تواجههم بالعنف والتوبيخ، لأن ذلك قد يضرّك أو يزيد عنادهم. الأفضل أن تنكر ذلك بقلبك وتدعو لهم بالهداية. وهنا تتمّة الحديث: “فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.”
هكذا يُعلّمنا الإسلام التدرّج والحكمة في الفعل، كما يبدّل السائق التروس وفقًا لميل الطريق. وهذه المرونة لا تقتصر على المعاملات، بل تشمل العبادات أيضًا. فالصلاة مثلًا، هي عمود الدين، لا تسقط عن المسلم ما دام حيًّا. لكنها لا تكون بشكلٍ واحدٍ دائمًا: فالقادر على الوقوف يُصلّي قائمًا، ومن عجز عن القيام يُصلّي جالسًا، ومن لم يستطع الجلوس يُصلّي مضطجعًا، ومن لم يقدر على الحركة، أشار بعينيه، ومن عجز حتى عن ذلك، صلّى بقلبه.
أليست هذه مرونة ربّانية؟ كأنّها نظام تروس إيمانيّ لا يتوقّف عن العمل أبدًا. وكذلك المرأة، حين يعتريها الحيض أو النفاس، تُعفى من الصلاة، لا استهانةً بعبادتها، بل رحمةً بجسدها.
أما المسافر الذي يخشى فوات رحلته أو تعب الطريق، فله أن يجمع بين الصلاتين تقديما أو تأخيرا، وله أن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين؛ وهذه من رخص السفر التي تبرز سعة الشريعة ويسرها.
وفي الطهارة، فإن لم يجد المسلم الماء، انتقل إلى التيمم، فيمسح بتراب طيب وجهه ويديه، فيصلي. وإن جهل جهة القبلة أو ضاع في الصحراء، صلى حيث غلب على ظنه، والله أعلم بالنيات.
ونصل إلى الصيام؛ فليس المقصود به مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو امتناع شامل عن كل رغبة تبعد الإنسان عن صفاء روحه. لكن ماذا عن المريض، أو الحامل، أو المرضعة؟ هؤلاء لهم رخصة الإفطار حتى يستعيدوا قوّتهم، ويقضوا ما فاتهم لاحقا.
ولنتأمل قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يقول:
"يا رسول الله، هلكت!"
قال: "وما ذاك؟"
قال: "وقعتُ على امرأتي وأنا صائم."
فسأله النبي ﷺ: "هل تجد رقبة تعتقها؟" قال: "لا."
قال: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟" قال: "لا أطيق."
قال: "هل تجد إطعام ستين مسكينا؟" قال: "لا والله يا رسول الله." فأُتي النبي ﷺ بسلة من تمر، فقال له: "خذ هذا فتصدّق به." فقال الرجل: "أعلى أفقر مني؟ فوالله ما بين لابتيها أهلُ بيتٍ أفقر منا!" فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أطعمه أهلك.
أي رحمة أعظم من هذه؟ وأي مرونة في التشريع أوسع من هذا العفو النبويّ؟
ثمّ في الحج، فريضة العمر، لم يوجبها الإسلام على كل أحد، بل قال: "ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا."
أي: من قدر واستطاع بدنيا وماليا وأمنيا. فمن لم يملك الزاد والراحلة، أو لم يأمن الطريق، فليس عليه حرج.
والزواج كذلك ليس سنة على الجميع، بل على من يملك القدرة الجسدية والمادية. فمن تزوّج بغير استعدادٍ كان ظالمًا لنفسه ولزوجه. ومن لم يقدر، فليصم، فالصوم له وِقاء.
وحين حجّ النبي ﷺ حجّة الوداع، كان أصحابه يسألونه عن أخطاءٍ في الترتيب بين المناسك: "يا رسول الله، نحرتُ قبل أن أرمي،" "حلقت قبل أن أنحر،" فكان يقول لكلّ منهم: "افعل ولا حرج."
هكذا هو الإسلام؛ دين بلا حرج، ودين التيسير والرحمة. قال الله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ، وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}(سورة النور: 61)
فهو دين يرفع الحرج، ويمنح الإنسان السعة، ليعبد ربّه بقدر استطاعته، وليبقى في سعيٍ دائمٍ نحو الكمال الإنساني، مهما تنوّعت ظروفه وضعفه.
ذلك هو الإسلام… دين الرحمة، ودين التيسير.



