قد يسمَّى النهرُ الذي يجري في قريتك باسمها غير أنَّ ذلك النهر في الحقيقة ينبع من وادٍ بعيد لا تراه عيناك، ثم يسير في طريقه الطويل حتى يختفي في أحضان البحر. ألا تتذكر هذه ؟ يكفي، يكفي هذا التذكر.
وكذلك الإسلام… نهر جرى عبر التاريخ الإنساني. يظن البعض أنه ولد في القرن السادس الميلادي، بل ويذهب آخرون إلى أنه فكرة أبدعها محمد ﷺ. فهل هذا هو الواقع حقًّا؟
حين تطلق أيّ شركة منتجا جديدا، ترفقه بدليل الاستخدام. كذلك حين خلق الله تعالى الإنسان، كانت لديه رؤية واضحة لماهيّته ووظيفته، ومع ذلك استشار الملائكة فقالوا: أتجعل فيها من يُفسدها فيها ويسفك الدماء؟ فجاء الجواب الإلهي الحاسم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. (البقرة ٣٠)
خلق الله الإنسان الأول، آدم عليه السلام، خلقًا متكاملا متقنًا،؛ بكل تفاصيل جسده ودقائقه؛ بعقله، وأعصابه، وأوردته، ومخه، وأعضائه الدقيقة، وأودع في كل عضوٍ وظيفةً محددة. لم يكن الإنسان نتاج تصادم صُخورٍ أو تطوّرٍ من كائنٍ بدائي كما تزعم النظريات الحديثة، بل كان خلقا مقصودا بقدرة الله الحكيم، الذي أبدعه على أحسن تقويم.
ثم علّمه الله الأسماء كلّها، وفتح له بصيرة المعرفة، وأطلعه على أسرار الكون، فعرّفه العلوم كلها، ثم خلق له الزوج حواء، فكانا أول زوجين، وتكاثرت ذريتهما حتى تكوَّن المجتمع البشري. غير أنَّ الحياة الاجتماع تختلف عن الحياة الفردية؛ فلكل إنسان ميوله وأهواؤه، ولو تُرك كلٌّ وشأنه لفسدت الحياة. فقد احتاج الناس إلى قانونٍ موحَّدٍ ينظم حياتهم، ويحفظ توازنهم، ويمنع الفوضى والفساد. هذا هو الإسلام، القانون من الخالق نفسه.
فالإسلام إذًا ليس وليدَ القرن السادس، بل هو موجود منذ عهد آدم عليه السلام، غير أنه لم يُسمَّ باسم أيّ نبيٍّ من الأنبياء، فلم يكن "آدمية" ولا "نوحية" ولا "إبراهيمية" ولا "موسوية" ولا "عيسوية". الإسلام هو الإسلام؛ لا يُنسب إلى مكان، ولا يُقيّد بزمان، ولا يتصل بشخصٍ دون آخر، بل هو وحيٌ سماويٌّ خالدٌ شاملٌ للإنسانية جميعا.
كلمة إسلام مأخوذة من الجذر العربي س-ل-م، وقد وردت مشتقّاتها في القرآن الكريم أكثر من مئةٍ وأربعين مرّة بمعاني السلام والنجاة والأمان. فعندما نحيّي بعضنا بقولنا: السلام عليكم، فإننا ندعو بأن تنزل رحمة الله وسلامه وأمانه على المخاطَب.
"السلام" هو أيضا من أسماء الله الحسنى، والجنة تُسمّى "دار السلام". وقد وردت كلمة "السلام" في القرآن بسبعة معان مختلفة، وجاءت أحيانا بمعنى الإسلام ذاته، مثل قوله تعالى: سُبُلَ السَّلَام، وجاءت بصيغٍ أخرى مثل "سِلْم" و"سَلَام" و"إِسْلَام"، وكلها تدور حول معنى الطمأنينة والخير والنجاة.
أمّا الفعل *أَسْلَمَ*، فمعناه الخضوع والتسليم الكامل لله. ومن الطبيعي أن يكون هذا التسليم لمن خلق الإنسان. فالإسلام ليس مجرد طقوسٍ أو إشاراتٍ جسدية، بل هو تسليمٌ شاملٌ لله في كل وقتٍ وحال، بالقول والعمل والقلب. ومن سلّم أمره لله فهو مسلم. وبذلك، فالمسلم ليس فقط من آمن بمحمد ﷺ، بل كل من خضع لله في أيّ زمان ومكان هو مسلم. لذا نجد في القرآن الكريم أنبياء سابقين يُوصَفون بأنهم مسلمون:
﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس: 72)وقال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ (يونس: 84) وقال الله عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131) * وقال الحواريون مع عيسى عليه السلام: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: 111) وقالت بلقيس، ملكة سبأ، بعد لقائها بسليمان عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: 44)
وفي مواضع أخرى، يُذكر جميع الأنبياء مجتمعين في إطار الإسلام الواحد:﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا... وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 84)
وهكذا يتضح أن جميع الرسالات السابقة كانت تدعو إلى الإسلام ذاته في جوهرها، وإن اختلفت في تفاصيل الشريعة. يقول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا... أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13) ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ، وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس: 37)
فالإسلام ليس اختراعا بشريّا، بل هو استمرارٌ للرسالات السماوية، وأصدق ما يُقال: إن الإسلام لم يبدأ بمحمد ﷺ، بل اكتمل بمحمد ﷺ. فقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: 40)



