النهر لا يجري إلا إلى الأسفل دائمًا، فهل يمكن أن نخيفه قائلين: “أيها النهر، اجرِ إلى الأعلى!”؟ مهما هددناه أو صرخنا في وجهه، لن يعكس مجراه. نستطيع أن نحجزه بسد يمنع جريانه، لكننا لا نستطيع أن نجبره على الصعود. نعم، في بعض الحدائق الكبرى نرى الماء يصعد إلى الأعلى في نوافير جميلة، لكنه لا يصعد بطبيعته، بل بقوة الضغط التي تدفعه الآلات الميكانيكية إلى الفوق.
كذلك قلب الإنسان، يجري بطبيعته في اتجاهٍ معين. للقلب مجرى خاص، بينما الجسد شيء آخر تماما. يمكنك أن تقيّد جسد أخيك وتكسر أطرافه وتحركه ، لكنك لا تستطيع أن تمسّ قلبه. فالقلب في الداخل، داخل الداخل، محفوظ لا يُجبر على شيء. إنه لا يتحرك إلا حيث يشاء.
الإيمان من شؤون القلب، لا من تصرفات الجسد. ومن منظور العقيدة الإسلامية، لا يدخل الإنسان في الإسلام إلا إذا آمن يقينا في قلبه بأن لا معبود بحق إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ولا يكفي التلفظ بهذه الشهادة دون إيمانٍ قلبي راسخ.
لو كان القول وحده كافيا، لأمكن إجبار الناس على التلفظ به كما يُدفع الماء بالآلات نحو الأعلى. لكن الإيمان لا يُغرس في القلوب بالقهر، ولا يُزرع بالإكراه. فمن نطق بالشهادة دون إيمانٍ باطن، لم يكن مؤمنًا حقًّا.
وهذه القاعدة العظيمة ليست من وضع حكومةٍ أو سلطةٍ أو هيئةٍ سكانية أو دائرة إحصاء. بل هي من صميم الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن جوهر الدين نفسه. فلو قالت جهة سياسية في الانتخاب مثلا: “لن يقبل صوتك إلا إذا آمنت بحزبنا بقلبك قبل أن تضع العلامة في صندوق الاقتراع”، لكان ذلك عبثًا لا يُقبل.
الإسلام دين الله، وله سننه وقوانينه التي أودعها في خلقه. فهو مسبب الأسباب، لا يتدخل بالقهر والإكراه، بل تجري الأمور وفق نظامٍ دقيقٍ قدَّره لكل شيء. لكل فعل نتيجته خيرا كان أم شرًّا، والجزاء مرتبط بالاختيار.
فالله لا ينتزع كأس الخمر من يد الشارب قهرًا، ولا يوقف المفجِّر الإرهابي عن فعله رغم وقوع الجريمة في بيتٍ من بيوت الله، ولا يوقظ الغافل إلى الصلاة رغم قدرته على هذه. لأنه بيّن الطريق وترك للإنسان حرية الاختيار. فمن شاء سلك، ومن شاء أعرض، فهو لا يفرض الإيمان على أحد.
قال تعالى:قُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
(الكهف: 29) وقال أيضا: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (النحل: 35) وكذلك :- فَإِن تَوَلَّوْا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ (الشورى: 48)
فالإسلام لا يدعو الناس إلى الإيمان بالقسر أو العقل فقط فحسب، بل أرسل إليهم رسلاً يتحدثون بلغتهم ويبيِّنون لهم بوضوحٍ الحق من الباطل، ويقدّمون القدوة العملية في حياتهم.
وأيضا مهمة الأنبياء ليست السيطرة على العقول، بل بيان الحقيقة بالحكمة والموعظة الحسنة. هم يدعون ويُرشدون ويُقدّمون القدوة، لكنهم لا يُكرهون أحدًا على الإيمان. وكما يسعى المعلّم المخلص لنجاح طلابه بالتحفيز لا بالعنف، كذلك الأنبياء في دعوتهم يسعون إلى هداية الناس بالتوجيه لا بالضغط.
قال الله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ(الغاشية: 21–22)
ولو شاء الله لجعل الناس جميعًا مؤمنين، لكنه ترك لهم حرية الاختيار ليُختبر صدقهم: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99
ولأن الإيمان لا يُفرض، فقد كانت معاناة الأنبياء من إعراض أقوامهم شديدة، حتى قال الله لنبيه ﷺ مواسيا: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا.(الكهف: 6)
وهذه ليست حالة فريدة، فقد ابتُلي الأنبياء قبل محمد ﷺ بالأمر نفسه. فنوح عليه السلام دعا قومه تسعمائة وخمسين عامًا ليلًا ونهارًا، فلم يؤمن إلا قليل. ولو أراد الله أن يجعلهم مؤمنين قهرًا لفعل، لكنه لم يُرِد ذلك. فالإيمان لا يفرض فرضًا، بل يُختار اختيارًا.
حتى فرعون الذي علم الله أنه لن يؤمن، أرسل إليه موسى وهارون عليهما السلام ليُبلِّغاه رسالة الحق. فالله لا يمنع البلاغ عن أحد، مهما كان موقفه.
ومن الناس من لا يمنعه الجهل من الإيمان، بل تمنعه الكبرياء أو الهوى. لذلك قال الله لنبيه ﷺ:"وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ فَافْعَلْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى.(الأنعام: 35)
فالإسلام إذًا ليس مصنعًا بشريًا يجمع الناس قسرًا تحت سلطةٍ فكريةٍ واحدة، بل هو دعوةٌ منسجمة مع الفطرة الإنسانية، كجريان النهر في اتجاهه الطبيعي. ومن ثمَّ جاء قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"(الروم: 30)
وأخيرا، يمكن إعلان هذه الحقيقة بوضوح كما أعلنها القرآن:لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"(البقرة: 256)



