قبل سنوات، جاءني صديق يقول بحماسة: "سيُفتتح قريبا متجر جديد تُباع فيه كل الأشياء — إنه السوبرماركت!" بدا لي الخبر غريبا، فسألته : "وهل أجد فيه هذا الشيء أو ذاك؟ حتى وصلت إلى السؤال الطريف :هل أجد فيه الكبريت الأحمر. لا أدري ما الذي حدث بذلك الصديق وذلك السوبرماركت بعده. لكن ما أعلمه أنّ العالم شهد بعد ذلك ظهور "الهايبر ماركت"، ثم تلتها المجمّعات التجارية الكبرى (المولات)، التي قيل إنها تجمع كل شيء تحت سقف واحد. ولكن هل حقًّا نجد فيها كل شيء؟
إنّ فكرة "الكل في واحد" دائما ما تجذب الإنسان، ويمكن أن نسمّيها الشمولية أو الكمالية. فإذا كانت المولات هي الأماكن التي يجد فيها الإنسان حاجاته المادية، فهناك مفهوم آخر يُلبّي حاجاتنا الروحية والفكرية والأخلاقية في كل زمان ومكان — ألا وهو الإسلام. يمكنك أن تسأل ما تشاء من الأسئلة، فالإسلام يقدّم الجواب لكل سؤال، والحلّ لكل مشكلة، لأنه دين كاملٌ لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا تناولها.
لكنّ كثيرا من الناس حين يسمعون كلمة "دين" يتصوّرونه مسألة جانبية لا تستحق أن تكون منهج حياتهم أو مجموعة من الطقوس الشكلية والعادات المحدودة التي تُمارَس أحيانًا على هامش الحياة. بل إنّ بعضهم يفضل إبقاء الدين في الهامش أصلًا. والسبب في ذلك هو الجهل بحقيقة الدين.
إنّ الدين في جوهره منهج حياة شامل، يوضح للإنسان كل ما يحتاجه من ساعات ولادته إلى لحظات وفاته، ومن مطلع النهار إلى غروب الشمس . الدين في حقيقته هو "متعدّد الأبعاد"، يجمع بين الإيمان والفكر والمجتمع والأخلاق والاقتصاد والسياسة في تناغم بديع. فهو ليس مجرد حركات جسدية أو مظاهر شكلية، بل نظام عميق له جذور وروابط في كل مجالات الحياة.ويجسد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى:
"لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ."(البقرة: 177)
إنها آية واحدة فقط في القرآن. هذه الآية العظيمة تفتتح بنفي المفهوم السطحي للبرّ، ثم تغوص بنا في عمق المعنى الحقيقي، فتتحدّث عن الإيمان بالله واليوم الآخر — وهما إجابتان عن أعظم سؤالين في الوجود: من أين جئت؟ وإلى أين المصير؟
فالإيمان باليوم الآخر يُذكّر الإنسان أنّ لهذا العالم نهاية وأن لحياته أيضا أجلا قريبا، مما يجعله يُراجع نفسه: لماذا إذًا هذا التعلّق المفرط بالدنيا الزائلة؟ حين يفهم ذلك، لا يكدّس المال ولا يركض وراء الدنيا بجنون، لأنّه يدرك أنّ ما يفنى لا يستحقّ أن يُضحّي لأجله خالدا.
ثمّ تنتقل الآية إلى البعد الاجتماعي: الإنفاق على الأقارب واليتامى والمساكين وأبناء السبيل لتُوقظ في الإنسان الوعي الاجتماعي، وتذكّره بأنّ المال الذي يحبّه ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لعمل الخير، وأنّ العطاء في حال الصحّة والشحّ أعظم أجرا.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه:>
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أيُّ الصدقة أفضل؟
> قال ﷺ: "أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلتَ: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، وقد صار ذلك لفلانٍ.(رواه البخاري: 1419)
ثم تنتقل الآية إلى الجانب العملي في الدين: العبادات. فالإنسان بحاجة إلى نموٍّ في اتجاهين: الأفقي (المادي والاجتماعي) والعمودي (الروحي والمعنوي). والناس عادة يهتمّون بالنموّ الأفقي، بالعمل والكسب والخدمة، لكنهم يغفلون عن النموّ العمودي وهو الارتقاء الروحي.
لقد بلغ النبي ﷺ ذروة هذا النموّ في رحلة المعراج، والصلاة هديته وأثره لأتباعه. وإذا قِسنا الصلاة بمعايير المخرجات المادية، فقد يبدو للوهلة الأولى أنها لا تعطي شيئًا ملموسًا. فمن الصلاة لا يُستخرج إطعام الفقراء، ولا بناء البيوت للمحتاجين، ولا كفالة الأيتام، ولا مواساة الأرامل — تلك الأعمال الاجتماعية الكبرى لا تُستخرج من الصلاة. وكذلك الحج، رغم ما يُنفق عليه من أموال طائلة، لا يُقاس بمعيار النفع المادي، والصوم كذلك. ومع ذلك، لا بد من الصلاة، ولا بد من الصوم، ولا بد من الحج. فالدين ليس في السعي وراء المكاسب الدنيوية، بل في النظام الذي يضمن نموّ الإنسان الروحي وارتقاءه الباطني.
وهكذا، فإنّ شمولية الإسلام لا تقتصر على الأمور الملموسة، بل تمتدّ إلى "الإيمان بالغيب". فليس كلّ شيءٍ يمكن للعقل أن يُدركه، ولكننا نؤمن بأنّ الله يعلم ما لا نعلم. ومن هذا المبدأ خُلق الإنسان، ومنحه الله الوحي والهداية التي تنظم حياته.
ثم يأتي الكلام عن الوفاء بالعهد والأمانة، وهما ركيزتان أساسيتان لبناء أي مجتمع صالح. كم من الأفراد خُدعوا بسبب نقض العقود، وكم من الدول دُمّرت بسبب خيانة الاتفاقات! حتى في العلاقات الشخصية، هناك "عقودٌ غير مكتوبة" بين الوالدين وأبنائهما، وبين الأزواج، ولكنها للأسف كثيرًا ما تُنتهك.
فلذا يؤكد القرآن ببالغ أهميته :-"وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ" (المؤمنون: 8).
فالشمولية في الدين تعني أن يمتدّ الإيمان ليشمل النظرة إلى الحياة نفسها نظرة واقعية متوازنة. فالدنيا ليست جنة خالصة، ولا جحيمًا مطلقًا؛ فيها الفرح والحزن، العسر واليسر.والمؤمن الحقّ لا ييأس عند الشدائد، لأنه يدرك أن الابتلاء جزء من سُنن الله في الوجود، وأن مع العسر يسرا.
فالإسلام لم يكن مجرّد نظرياتٍ أو شعاراتٍ معلّقةٍ في الهواء، بل دينًا تطبيقيا أقام به النبي ﷺ "نظاما شاملا" جمع بين العبادة والسياسة والاقتصاد والعدالة. ولذلك قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. (المائدة: 3)
وكلّما ازددنا دراسة لهذا الدين، ازددنا يقينًا أنّ الإسلام دينٌ كاملٌ يُرضي العقل والقلب والضمير. فلنواصل التعلّم، فكلّ خطوةٍ في معرفة الإسلام تزيدنا نورا وطمأنينةً ورضًا.



