في القرن الثاني الهجري لمع نجمُ الإمام عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، أحد أعلام الحديث والفقه في بلاد الشام، وإمامٌ مجتهدٌ مستقلٌّ قامت على مذهبه مدرسةٌ فقهية عُرفت بـ«المذهب الأوزاعي»، وانتشرت زمنًا في الشام والأندلس قبل أن تندمج آراؤها في المذاهب الأخرى.
وُلد سنة 88هـ في بعلبك بلبنان، يتيمًا، ونشأ في البقاع في بيئةٍ متواضعة. كانت أمُّه تصحبه في أسفارها، فشبَّ وهو يطالع أحوال الناس، ويعايش اختلاف البيئات والثقافات، ممّا وسّع أفقه وأكسبه فقهًا بالواقع إلى جانب فقه النص.
عاصر خلافة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في شبابه، وتأثّر بروح الإصلاح والعدل التي سادت آنذاك. كان يسكن بمحلّة الأوزاع ، وهي العقيبة الصغيرة ظاهر باب الفراديس بدمشق ، ثم تحول إلى بيروت مرابطا بها إلى أن مات . ، وقيل نسبةً إلى قبيلته.
شيوخه وتلاميذه
سافر إلى البصرة بطلبٍ من شيخه يحيى بن أبي كثير ليلقى الحسن وابن سيرين، غير أنّه أدرك وفاة الحسن، ومرض ابن سيرين، فخدمه حتى وفاته. ثم أخذ العلم عن أعلام التابعين، منهم: عطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة ونافع مولى ابن عمر ومحمد بن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري. وكان من أبرز من أخذ عنه وتأثّر به: سفيان الثوري ومالك بن أنس. وأجمع العلماء على إمامته وثقته وضبطه.
مذهبه الفقهي
بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، وكانت له آراء مستقلة في مسائل الفقه، حتى عُرف مذهبه باسمه. وانتشر مذهبه في الشام والأندلس زمنًا طويلًا، قبل أن يغلب عليه المذهب المالكي وغيره.
كان الإمام عبد الرحمن الأوزاعي شديد الذكاء، متوقد الذهن، واسع الاطلاع، حتى بلغ مرتبة الإفتاء وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهي سنّ مبكرة لا يبلغها إلا النوابغ من العلماء. وقد ذُكر في كتب التراجم أنّه أجاب عن نحو سبعين ألف مسألة فقهية، ممّا يدل على سعة علمه وقوة استنباطه.
وكان رحمه الله متبحّرًا في اللغة العربية، ذا ملكةٍ راسخة فيها، حتى لم يكن يقع في كلامه خطأٌ يسير، لا في لفظٍ ولا في تركيب. وقد اشتهرت رسائله التي كتبها بأسلوبٍ بليغٍ رصين، حتى إن الخليفة أبو جعفر المنصور أُعجب بها إعجابًا شديدًا لما فيها من قوّة العبارة وجمال الأسلوب وعمق المعنى.
وكان مجلسه مجلسَ تذكيرٍ ووعظ، يفيض فيه على الحاضرين بنصائح إيمانية صادقة، فيرقّ لها السامعون وتدمع منها العيون، حتى كان كثير من الحاضرين يبكون تأثرًا بكلامه. ومن شدة رقّته وخشيته لله ما رُوي أنّ امرأةً من جيرانه رأت مصلاه مبتلًّا ذات صباح، فسألت زوجته: هل بال الطفل عليه في نومه؟ فأجابت: ليس ذلك، وإنّما هو من دموعه التي يذرفها في صلاته من خشية الله.
لم يكن الإمام الأوزاعي يخشى الحكام ولا يتملّقهم، بل كان يقول الحقّ صريحًا لا يخاف في الله لومة لائم. ولما قدم عليه والي الشام عبد الله بن عليّ - بعد أن أخرج الأمويين من الشام – لم يردّ الإمام سلامه، لما كان يرى في أفعاله من تجاوزات.
فغضب الوالي وسأله: ما تقول في إخراج بني أمية من بلاد الشام؟
فأجابه الإمام: قال رسول الله ﷺ: إنما الأعمال بالنيات.
فاشتدّ غضب الوالي، وضرب الأرضَ بسوطه، واستعدّ الجندُ بأسلحتهم، ثم قال: فما تقول في سفك دماء بني أمية؟
فقال الإمام: لا يحلّ سفك الدماء في الإسلام إلا بثلاث: قتل النفس، وزنا المحصن، والخروج على الجماعة.
فأثرت صراحته وصدقه في نفس الوالي، فسأله بهدوء: فما تقول في أخذ أموالهم؟
فقال الإمام: إن كانت حرامًا عليهم فهي حرامٌ عليكم، وإن كانت حلالًا لهم فلا يجوز أخذها إلا بحقها.
ثم قال الوالي: أفلا نولّيك القضاء؟
فأجاب الإمام: لم يُعنِّفني من كان قبلكم، وإنّ السلامة من هذه المسؤولية أحبُّ إليّ. وعند انصرافه أهداه الوالي مائتي دينار من الذهب، ففرّقها الإمام في الحال صدقةً في سبيل الله. وهكذا كان الإمام الأوزاعي لا يخشى أحدًا في قول الحق، ولم تغره المناصب ولا استمالته الأموال.
دفاعه عن أهل الذمة
ومن مواقفه المشهودة أنّه لما أحدث بعض نصارى جبال لبنان اضطراباتٍ، قرّر الوالي العباسي صالح بن علي نفيهم جميعًا من بلادهم.
فلمّا بلغ ذلك الإمام الأوزاعي أنكر هذا القرار، وقال إنّ معاقبة جماعةٍ بأكملها بسبب جرائم أفرادٍ منها أمرٌ لا يقرّه القرآن ولا السنّة. فلما وصل رأيه إلى الوالي تراجع عن قراره. وكانت نصائح الإمام دائمًا قائمةً على الحكمة، موافقةً للعدل، ملائمةً للظروف.
نصيحته للخليفة المنصور
لمّا تولى الخليفة أبو جعفر المنصور الخلافة، كتب إليه الإمام الأوزاعي نصائح مشهورة، قال فيها: يا أمير المؤمنين، إنّ هذه أمانة عظيمة، قد أبت الجبالُ والسموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها.
وقال رسول الله ﷺ: ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فيموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرّم الله عليه رائحة الجنة.
فلما همّ الإمام بالانصراف عرض عليه الخليفة مالًا، فرفضه وقال: لا حاجة لي فيه، ولستُ ممّن يبيع النصيحة بعرضٍ من الدنيا. ولشدة استقامته وعدم مداهنته للسلطان، كان الولاة والحكام يهابونه ويخشون جانبه. وقد روي أنّ أحد ولاة بني العباس قال بعد وفاته: يا أبا عمرو، رحمك الله! لقد كنتُ أخافك أشدَّ مما أخاف الخليفة الذي ولّاني.
زهده ووفاته
عاش الإمام الأوزاعي حياةً قائمة على الدقة والزهد والانضباط في جميع شؤونها. ولما توفّي لم يوجد في تركته إلا ستة دنانير ذهبية لمصاريف تجهيزه. وكانت إقامته في أواخر حياته مع أسرته في بيروت بلبنان، حيث توفي سنة 157هـ الموافق 773م، عن سبعةٍ وستين عامًا، ودُفن في قرية حنتوس قرب بيروت.
مؤلفاته
ترك الإمام الأوزاعي آثارًا علمية متعدّدة بعد عمرٍ طويل قضاه في خدمة العلم، ومن أشهر كتبه: كتاب السنن والمسائل في الفقه والمسند. بقي الإمام الأوزاعي طيلة حياته مثالًا للعالم الرباني الذي جمع بين رسوخ العلم، وصدق العبادة، والجرأة في الحق، والزهد في الدنيا، فصار علمه سراجًا للأمة، وسيرته مدرسةً للأجيال.



