كان الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك يطوف بالكعبة مع أبنائه وحاشيته، إذ عرضت له مسألةٌ أشكلت عليه في مناسكه. فالتفت يسأل:أين ذلك الرجل؟ فأُشير إليه ناحيةً من المسجد الحرام. فسار الخليفة بنفسه، ومنع حاشيتَه أن يفسحوا له الطريق، وقال كلمته الخالدة: هذا مقام يستوي فيه الملوك والسوقة… ولا يفضل فيه أحدٌ أحداً إلا بالقبول والتقوى.
كان هناك، بين الناس، رجلٌ أسودُ اللون، أفطسُ الأنف، أجعد الشعر، أشلَّ اليد، أعرجَ، قائمًا في صلاته بخشوع. فلمّا فرغ، عرض عليه الخليفة سؤالَه، فأجابه جوابًا شافيًا يدلّ على رسوخ قدمه في العلم. ثم التفت الخليفة إلى ولده وقال: يا بُنيّ، هذا عطاء بن أبي رباح، وارثُ علمِ ابن عبّاس ومفتِي أهل مكّة. ثم أردف يقول: يا بنيّ! تعلموا العلم ، فبالعلم يشرف الوضيع، وينبّه الخامل، ويعلوا الأرقّاء على مراتب الملوك.
مولده ونشأته
وُلد عطاء سنة 27هـ تقريبًا في بلدة الجند باليمن، من أصلٍ نوبيّ، وكان أبُوه ينسج السلالَ. نشأ عبدًا مملوكًا، مبتلًى في جسده بفقد إحدى عينيه، وشللٍ في يده، وعرجٍ في رجله؛ غير أن~ هذه العاهات لم تَحُل بينه وبين علوّ همّته في طلب العلم. قسّم وقته ثلاثة أقسام: قسمٌ لخدمة سيدته، وقسمٌ للعبادة، وقسمٌ لتحصيل العلم. فلمّا رأتْ سيدتُه صِدقَه وورعَه، أعتقته ابتغاء وجه الله. ومنذ ذلك الحين صار المسجد الحرام بيتَه ومقامه. وقد ذكر المؤرخون أنّه بسط رداءه في المسجد الحرام عشرين سنة لا يكاد يفارقه.
سرُّ تفوقه
بلغ عطاء الذروة في الفقه بخِصّيصتين عظيمتين: ضبط النفس، وحسن استثمار الوقت. وكان زهده ظاهرًا؛ فلم يُرَ عليه ثوبٌ تزيد قيمتُه على خمسة دراهم. لا يلتفت إلى زخارف الدنيا، ولا يُغريه بريق السلطان. وكان يقول لتلامذته: كان مQن قبلكم يكرهون فضول الكلام؛ لا يتكلّمون إلا بكتاب الله، أو سنّة رسوله ﷺ، أو أمرٍ بمعروف، أو نهيٍ عن منكر، أو حاجةٍ لا بد منها. ثم يعظهم قائلًا: كيف يكون حال امرئٍ إذا نُشرت صحيفتُه يوم القيامة، فرأى أكثر كلامه فيما لا يعنيه؟! ومن دقّة فقهه أنّ الإمام أبو حنيفة - وهو من أئمة الدنيا – تعلّم مسائلَ من مناسك الحجّ عن أحد تلامذة عطاء، وكان رجلاً بسيطًا يعمل في بيع العيدان. وهكذا كان أثر عطاء يتجاوز طبقته ليصل إلى أئمة الأمصار.
بين العلم والسلطان
ابتعد عطاء عن قصور الخلفاء خشية أن تختلط أنوار العلم بظلال الدنيا. وكان يقول بمعنى حاله: إنّ صفاء المعرفة لا يأنس بمخالطة زخارف السلطان. ومع ذلك، إذا رأى في لقاء الحاكم مصلحةً للأمة، قصده ناصحًا لا طامعًا. استدعاه يومًا الخليفة هشام بن عبد الملك، فدخل عليه في جبّةٍ خلقٍ، وعلى رأسه قلنسوة من جلد، راكبًا حمارًا. فأجلسه الخليفة إلى جواره على السرير، والناس صامتون. ولم يسأله عطاء لنفسه شيئًا، بل قال:
1. أعنْ أهلَ الحرم بما يكفيهم.
2. وأجزل العطاء للمرابطين على الثغور.
3. ولا تُحمّل أهلَ الذمة ما لا يطيقون.
فلما أجابه الخليفة إلى طلبه، وعظَه عطاءٌ موعظةً أوجعت القلوب: اتقِ الله يا هشام! إنك خُلقتَ وحدك، وتموت وحدَك، وتُبعث وحدَك، وتُحاسَب وحدك، ولا يكون معك من هؤلاء أحد. فبكى الخليفة حتى خنقته العبرة. ثم أمر له بجائزة، فقال عطاء متلوًا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ورفض المالَ، ولم يذق في القصر ماءً حتى خرجَ.
عاش عطاء قرابة مئة سنة، وأمَّ الناسَ في الحجّ أكثر من سبعين مرّة، وكان مُفتي مكّة بلا منازع، ووارث علم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. لم ترفعه الأنساب، ولا الصور، ولا الأموال؛ بل رفعه العلم والعبادة والصدق. ومات سنة 114هـ تقريبًا، بعد حياةٍ تشهد بأنّ التفاضل في الإسلام إنّما هو بالتقوى والعلم.



