هو الإمامُ العَلَم، والقدوةُ السَّمْت، والعالِمُ العامل، الذي اجتمع فيه من خصال الكمال ما قلّ أن يجتمع في غيره: عِلمٌ واسع، وثراءٌ عريض، وإنسانيةٌ رحيمةٌ تُفيض على الخلق خيرًا. وُلِد سنة 94هـ بقرية خَلْقَشَنْدَة من أعمال مصر، في بيتٍ من أصلٍ فارسيّ، وعُرِف بكنيته: أبو الحارث. وقد عُرف في الآفاق بلقب «شيخ الإسلام»، و«عالِم الديار المصرية»، وكان معاصرًا للإمام مالك بن أنس، بل عدّه غيرُ واحدٍ أفقهَ أهل مصر في زمانه، وأغناهم مالًا، وأوسعهم عطاءً.
رحلته في طلب العلم
شبَّ الليثُ على حبِّ العلم، فانطلق في شبابه – وهو في العشرين – إلى مكة المكرمة، ينهل من مَعينها الصافي، ويأخذ عن أعلام التابعين. فسمع وروَى عن أكثر من خمسين من كِبارهم، حتّى رسختْ قدمُه في العِلم رسوخًا جعلَه مرجعًا لأهل بلده، ومهوى أفئدة طلّابِ المعرفة.
وكان واسع الأفق، مُحِيطًا بعلوم الشريعة، من القرآن وتفسيره، والحديثِ روايةً ودرايةً، والعربية نحوًا وبلاغةً. ولم يقتصر على ذلك، بل أتقنَ لغاتٍ أخرى كالقبطية واليونانيّة واللاتينيّة، فكان بذلك من العلماء الموسوعيّين الذين جمعوا بين أصالة الدّين وسعة الثقافة. وقد شهد له تلميذه أبو الوليد بقوله: سمعت أبي يقول: ما رأيتُ أحدا أكملَ من اللّيث بن سعد، كان فقيه البدن، عربيّ اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الشعر والحديث، وحسن المذاكرة.
توثيقه في الحديث وثناء الأئمة عليه
عُرف الإمام الليث بالدقة والضبط في رواية الحديث، حتى قال فيه الإمام أحمد بن حنبل:الليثُ ثقةٌ. وقال الإمام يحيى بن معين: الليث بن سعد ثقةٌ مأمون. وكان الإمام مالك بن أنس يقول: أخبرَني مَن أرضى من أهل العلم، فإذا قال ذلك فإنّه يقصُد الليث بن سعد،لما عُرف عنه من عدالةٍ وضبطٍ وورع.
مذهبه الفقهي
لم يكن الليث ناقلًا للفقه فحسبُ، بل كان مجتهدًا مطلقًا، له اختياراته وأصوله واستنباطاته. وقد تكوّن له مذهبٌ فقهيٌّ مستقلّ، غير أنّ تلامذتَه لم يُعْنَوا بتدوينه وتقعيده كما فعل أصحاب المذاهب الأخرى، فضاع مذهبه بوفاته، وبقيت آراؤه مبثوثةً في بطون الكتب. قال الإمام الشافعي :الليث أفقهُ من مالك، إلّا أنّ أصحابَه لم يقوموا به. وفي هذه الكلمة دلالةٌ على علوّ منزلته العلمية، وعلى أنّ بقاء المذهب ليس دائمًا رهين قوة الدليل، بل بجهد التلاميذ في الحفظ والنشر.
ثروته وسخاؤه
وكان من أبرز صفات الإمام الليث بن سعد صفة الكرم والسخاء، فمع كثرة علمه وفقهه وورعه كان رحمه الله كريمًا معطاءً، حتى عُرف بهذه الصفة وصارت من سجاياه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال وله مواقف كثيرة تدل على كرمه وعطائه وعظيم فضله، منها ما ذكر من أن الإمام الليث سمع عن كلام منصور بن عمار في الجامع فأعجب بما قال وأرسل إليه وأعطاه عطاءً وكرر هذا العطاء ووعده بأن له مثل هذا العطاء كل سنة،
كان دخله السنوي يُقدَّر بثمانين ألف دينار، ومع ذلك لم تجِب عليه الزكاة في مالٍ قطّ؛ لأنّه لم يكن يُبقي المالَ عنده حولًا كاملًا. فما إن تجتمع عنده الثروة حتى تتفرّق في أيدي الفقراء والمحتاجين. وكان من عادته أن يضع تحت مُصَلّاه ألف دينار، فإذا جاءه سائلٌ أعطاه منها، ثم يقول: لا تُخبِروا ابني بهذا، لئلا ينقصَ أجرُه.
وقد نقلت كتب التراجم أنّه أعطى غير واحدٍ من الناس ألف دينار دفعةً واحدة. وكان ابنه شعيب – تقديرًا لفضل أبيه – لا يعطي ألفًا كاملة، بل تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين دينارًا، إقرارًا بأنّ مرتبة أبيه في السخاء أعلى.
كان يرى أن المال وديعةٌ في يد العبد، وأنه إن لم يُودِعه في يد الله بطريق الصدقة، صار وبالًا عليه. وكان يعلّم تلاميذه أنّ فرحةَ العطاء أعظم من فرحة الأخذ، وأنّ الصدقة مدرسةٌ لتزكية النفس.
وقد عدّد من آثار الصدقة وبركاتها ما يلي:
1. أنها سببٌ لفتح أبواب الجنة.
2. أنها من أعظم القُرُبات، وأفضلها إطعام الطعام.
3. أنها ظلٌّ يوم القيامة ونجاةٌ من النار.
4. تُطفئ غضب الله وتخفّف حَرّ القبر.
5. أنفع ما يُهدى إلى الميّت بعد وفاته.
6. سببٌ لتطهير النفس وتحفيزها على الخير.
7. نورٌ للوجه يوم القيامة وسرورٌ للقلب.
8. أمانٌ من المخاوف.
9. مغفرةٌ للذنوب.
10. سببٌ لحُسن الخاتمة ودعاء الملائكة.
11. علامةُ كمال الإنسانية.
12. وعدٌ بالأجر العظيم.
13. صفةٌ من صفات المتقين ومحبةٌ في قلوب الناس.
14. دليلُ الكرم والسماحة.
15. سببٌ لإجابة الدعاء وزوال الكرب.
16. دافعٌ للبلاء قبل نزوله.
17. زيادةٌ في العمر والرزق والبركة.
18. شفاءٌ للأمراض بإذن الله.
19. وقايةٌ من أنواع الهلاك.
20. وأن الأجر يشمل حتى ما يُعطى للحيوان والطير.
زهده واستقلاله العلمي
عرض عليه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ولايةَ مصر، فأبى أن يتقلّدها، مفضِّلًا مقام العِلم على سلطان الحكم. ومع ذلك، كانت كلمته مسموعةً، وهيبتُه حاضرةً في قلوب الناس، حتى إنّ العامة كانت تقدّم رأيه على رأي غيره من الولاة.
وكان مجلسه مفتوحًا للجميع؛ يقدّم أصحاب الحاجات، ويراعي ظروف التجار وأهل الأعمال، فيقضي بينهم بالعدل والرفق، جامعًا بين فقه النص وفقه الواقع.
وفاته وأثره الباقي
توفّي الإمام الليث بن سعد يوم الجمعة من شهر شعبان سنة 175هـ (791م)، ودُفن بعد صلاة الجمعة، وشيّعه خلقٌ عظيم. وقد قال خالد بن عبد السلام الصدفي واصفًا ذلك المشهد: ما رأيتُ يومًا أكثرَ باكيًا من ذلك اليوم.
ودُفن في القرافة الصغرى بالقاهرة، ثم أقام التاجر المعروف أبو زيد المصري قبره، وتتابعت يد الخيرين في توسعة البناء وتزيينه على مرّ العصور. وقد تعاقب على تجديده وتوسيعه عددٌ من المحسنين والولاة، فبقي شاهدًا على سيرة إمامٍ عاش لله، وأعطى لله، ومات والناس جميعًا يشعرون أنهم فقدوا أبًا رحيمًا وعالمًا ربانيًا. يُعدّ مسجد الإمام الليث بن سعد الذي شيد على قبره من المعالم الإسلامية العريقة، وقد أنشئ في العصر الأيوبي، وشهد عبر تاريخه عّدة مراحل من الترميم والتطوير.
رحم الله الإمام الليث بن سعد، فقد كان نموذجًا للعالم الذي جمع بين العلم والعبادة، وبين الغنى والزهد، وبين الفقه والرحمة؛ فصار في سيرته دعوةً صامتةً إلى الإسلام الحق، الذي يُقيم العدل، ويُشيع الرحمة، ويجعل من المال وسيلةً للآخرة لا غايةً في الدنيا.



