شهد القرنُ الثاني الهجري – الموافق للقرن الثامن الميلادي – عصرًا ذهبيًا من عصور الحضارة الإسلامية، تفتّحت فيه ينابيعُ العلم، وبرزت كوكبةٌ من الأئمة الذين حملوا لواءَ السنة والفقه والزهد. وفي طليعة هؤلاء الإمامُ أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، الذي استحقّ بجدارةٍ لقب «أمير المؤمنين في الحديث»؛ لِما اجتمع فيه من رسوخ العلم، وقوّة الحفظ، وشجاعة الموقِف، وزهدٍ عميقٍ في زخارف الدنيا.
وُلِد بالكوفة سنة 97هـ في بيتٍ عُرف بالعلم والحديث؛ فكان أبوه سعيدُ بن مسروق من أهل الرواية والدراية. وقد عني الوالدُ بتوجيه ابنِه إلى طلب العلم منذ صغره، فكان لذلك أثرٌ بالغٌ في تكوين شخصيته العلمية. ولم يكن أثرُ الأمّ أقلَّ شأنًا؛ إذ كانت تنسج في المغزل لتوفّر لولدها نفقةَ الطلب، وتغرس في نفسه مقصده الأسمى. ومن وصاياها الخالدة له: يا بُنيّ، إذا كتبتَ عشرةَ أحرفٍ فانظرهل ترى في نفسك زيادةً في في خشيتك وحلمك ووقارك ؟ فإن لم تر ذلك فاعلم أنّها تضرّك ولا تنفعك. بهذه التربية أدرك سفيان أن العلم ليس حفظَ مسائل، بل تزكيةُ نفسٍ وسموُّ روح.
قوة الحفظ ومكانته في الحديث
امتاز سفيان الثوري بذاكرةٍ نادرة؛ فكان إذا سمع شيئًا وقرّ في صدره لا يكاد ينساه. وقد ذُكر أنّه كان يسدّ أذنيه إذا مرّ بالسوق؛ خشية أن يعلَق بذهنه ما لا حاجة له به. وشهد له شيوخه وأقرانه بالتقدّم، حتى إنّ شيخه شعبة بن الحجاج - مع ما عُرف به من ضبطٍ وإتقان = كان يعترف له بقوّة الحفظ والتفرّد في الرواية. وقد صار مرجعًا في الحديث والفقه والتفسير، وأخذ عنه الأئمة، وانتشرت آراؤه في الأمصار.
زهده وعبادته وخشيته
مع علوّ كعبه في العلم، كان مضربَ المثل في الزّهد والورع. كان يُؤثر الخمول، ويخشى الشهرة مخافةَ أن تُفسد عليه إخلاصَه. وكان كثيرَ القيام بالليل، طويلَ المكث في الصلاة، ولا سيّما في المسجد الحرام بمكة. كان يخاف أن تُفضي الشهرة إلى فساد القلب، فآثر السلامة، وجعل همّه إصلاح باطنه قبل ظاهر أمره.
نظرته الواقعية إلى المال
لم يكن زهده انصرافًا عن فقه الواقع؛ بل كان يرى المال وسيلةً لصيانة الدين. وقد قال: كان المال فيما مضى يُكره، فأمّا اليوم فهو تُرسُ المؤمن. وقال أيضًا: لولا هذه الدنانير في أيدينا لتَمنْدَلَ بنا هؤلاء الملوك. وهو تصريحٌ يدلّ على أنّ الاستقلال الماليّ يمنح العالِم حرّيةَ الكلمة، ويحُول دون استغلالِه من قِبَل السلطة.
موقفه من السلطة ومحنته
في عهد الخلافة العباسية، عُرض عليه القضاء من قِبَل الخليفة أبو جعفر المنصور، ثمّ من بعده المهدي العباسي، غير أنّه أبى؛ خشية أن يُحمَل على ليِّ أعناق النصوص إرضاءً للحاكم. وكان رفضُه سببًا في ملاحقته؛ إذ أصرّت السلطة على تولّيه المنصبَ. فاستمهلهم يومًا للنظر، ثم خرج ليلًا من الكوفة على دابّةٍ متخفيًا، متنقّلًا بين مكة واليمن والبصرة. وكان يُخفي كتبه، ويعيش عيشة العامّة، بل عمل أحيانًا في البساتين. وقد رُوي أنّ صاحب بستانٍ قال يومًا: كأن هذا الرجل يشبه سفيان الثوري!، فلمّا بلغته الكلمة غادر المكان مخافة أن يُعرَف.
وفاته وآثاره العلمية
توفي بالبصرة سنة 161هـ / 778م، فشيّعه خلقٌ كثير، وعمّ الحزنُ لفقده. خلّف تراثًا علميًا في الحديث والفقه والتفسير، ومنسوبٌ إليه عددٌ من المصنفات، منها:
- الجامع الكبير
- الجامع الصغير
- كتاب الفرائض
وإن لم يصلنا كثيرٌ من هذه المصنفات مستقلًّا، فإنّ أقواله ورواياته مبثوثةٌ في دواوين السنة وكتب الفقه.
إن سيرة سفيان الثوري درسٌ خالدٌ في الجمع بين العلم الراسخ والخشية الصادقة والاستقلال عن السلطان والوعي بفقه الواقع، فكان مثالًا للعالِم الربّاني الذي لم يُغْرِه سلطانٌ، ولم تُفسده شهرةٌ، بل عاش لله، وصدع بالحقّ، ورحلَ وقد ترك للأمّة نموذجًا يُحتذى في صفاء السريرة وصلابة الموقف. رحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.



