في القرن الأوّل الهجري، وفي أجواء الدولة الإسلامية الناشئة، برز إمامٌ شامخٌ لم ينحنِ لسلطان، ولم يُساوِم على حقّ، هو سعيد بن المسيب رحمه الله، الذي لُقِّب بـ «سيّد التابعين». كانت حياته بيانًا عمليًا أنّ الكرامة الحقيقية ليست في مالٍ ولا سلطان، بل في الثبات على المبدأ.
نشأته
وُلد سعيد في المدينة المنوّرة في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، في زمنٍ عُرف بعصر العدالة والفتوحات. نشأ في بيئةٍ علمية مباركة، وتتلمّذ على كبار الصحابة، منهم:عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو هريرة رضي الله عنهم، حتى صار من أعلم أهل المدينة بالتفسير والحديث والفقه، وأحدِ الفقهاء السبعة الذين قامت عليهم مدرسة المدينة الفقهية. وكان يذكّر الناس دائمًا إن طاعةَ الله ترفع صاحبها، ومعصيتَه تضعه وإن كان ذا جاه.
العلم لا يذهب إلى السلطان
قدم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان إلى المدينة حاجًّا، فأُعجبَ بحلقاتِ العِلم في المسجد النبوي. فأرسل حاجبه يطلبُ عالمًا يدرّسه في قصره. فكان الجواب من سعيد جوابَ عزّةٍ وإيمان: من كانت له حاجة فليأتِها، إن شاء الخليفة منّي حاجةً فليحضر مجلسَ العلم. بهذه الكلمات أعلن أنّ العلم أشرف من أن يُجعل تابعًا للسلطان.
أراد عبد الملك أن يزوّج ابنَه ووليّ عهده الوليد بن عبد الملك ابنةَ سعيد، لتكون ملِكة المستقبل. فرصةٌ لا تُرفض في منطق الدنيا، لكنّها رُفضت في منطق الآخرة. قال سعيد لأصحابه إنّه يخشى على دين ابنتِه من أجواء القصور وزخارف السلطان. ثم زوّجها من أحد تلاميذه الفقراء، وهو أبو وداعة، بمهرٍ يسيرٍ قدره درهمان فقط، قائلا: مَن جاءني ممّن أرضى دينَه وخُلقه فأزوِّجه بنتِي ، وأنا راض بأبي وداعة ، وقد توفيت عنه زوجته.
وفي نفس الليلة أخذ سعيدُ بن المسيب بابنته ووصل إلى دار تلميذه أبي وداعة وطرق بابَه ليلًا ومعه ابنتُه، وقال: كرهتُ أن تكون هنا وحدك، و زوجتُكَ في مكانٍ آخر، فجئتُ بها إليك. كانت فتاةً صالحة، حافظةً للقرآن، عالمةً بحقوق الزوج، مثالًا لبيتٍ قام على التقوى والعلم. وصار ذلك رسالة سامية للبساطة والقيم الخلقية واختيار العلم على مباهج الدنيا.
فلما توفي عبد العزيز أجمع عبدُ الملك على بيعة الوليد ثمّ من بعد الوليدِ سليمانَ، فكتب إلى الحجّاج ببيعة الوليد وسليمان فبايع الحجّاج لهما بالعراق، فلم يختلف عليه أحد وبويع لهما بالشام ومصر واليمن، وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل وهو عامله على المدينة أن يأخذ بيعة أهل المدينة ،فلما أتت البيعة لهما كرِه ذلك سعيدُ بن المسيب وقال: لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث سمعتُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحدثَ منهما ).
فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري ، فقال: إنّي مشير عليك بثلاث خصال اختر أيها شئتَ.
قال: وما هي؟
قال له: إنّك تقوم حيثُ يراك هشام بن إسماعيل فلو غيّرتَ مقامك.
قال: ما كنتُ لأغيّر مقاما قمتُه منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل
قال: فثانية
قال: وما هي؟
قال اخرجْ معتمرا .
قال سعيد: ما كنتُ لأجهد نفسي وأنفق مالي في شيء ليس لي فيه نيّة.
قال له: فثالثة.
قال: وما هي؟
قال: تُبايعْ للوليد ثمّ لسليمان.
قال سعيد: أرأيتَ إنْ كان اللهُ قد أعمى قلبَك كما أعمَى بصرَك. وكان عبد الرحمن هذا أعمى.
فأُمر به، فجُرّد من ثيابه، وجلده مائة سوطٍ ، وطِيف به في أسواق المدينة، وسُجن. ولوّحوا له بالسيف تهديدًا، فما لانَ ولا تراجعَ. ثبت لأنّ قلبَه كان معلقًا بالآخرة، لا يخاف إلّا الله. فلمّا علم الخليفة أنّ السوط لا يغيّر المبدأ، أطلق سراحه.
توفي سعيد سنة 94هـ تقريبًا، بعد حياةٍ ملؤها العلم والجهاد بالكلمة. ترك للأمة درسًا خالدًا؛أنّ العالمَ الحقّ هو الذي يحفظ للعلم هيبته، وللدين مكانته، ولو خسر بذلك الدنيا كلُّها.



