تبعُد البصرة عن بغداد قرابة خمسمائةٍ واثنين وثلاثين كيلومترًا، كانت البصرة مع الكوفة من أعظم مدائن العراق شأنًا وأثرًا منذ فجر التاريخ الإسلامي. وفي هذه المدينة المباركة بزغ نجمُ الإمام أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، فنُسب إليها وعُرف بها، وصار عَلَمًا في العلم والورع والعبادة والبصيرة النافذة.
مولده ونشأته
كان أبوه مولًى للصحابي الجليل زيد بن ثابت، وكانت أمّه خَيْرَة خادمةً لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها. وُلد الحسن سنة إحدى وعشرين للهجرة في المدينة المنورة، في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، وهو الذي سمّاه «الحسن». نشأ في بيت أمّ المؤمنين أمّ سلمة، وكان إذا خرجت أمّه لبعض شأنها بكى وهو رضيع، فتأخذه أمّ سلمة رحمةً به، فتُرضعه وتُهدئه حتّى تعود أمُّه. وقد رأى العلماء في هذا الشرف أثرًا بيّنًا في صفاء نفسه، وذكائه الوقّاد، وفصاحته الباهرة. وقد أدرك جمعًا من الصحابة، فكانت طفولتُه مدخلًا مبكرًا إلى عالم العلم والرواية، ونهل من معينهم العذب.
فصاحته ومكانته العلمية
نشأ الحسن في المدينة – عاصمة الخلافة آنذاك – فكان يسمع خُطب الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وكان عمره أربع عشرة سنة حين استُشهد عثمان رضي الله عنه. وفي السنة الخامسة عشرة، وفي خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، انتقل مع أسرته إلى البصرة. بلغ الحسن الغاية في البيان والأدب، حتى عُدَّ من أفصح أهل عصره وأعلمهم بالعربية. وكان آيةً في الحفظ والفهم، يلتقط الحكمة التقاطًا، ويصوغها موعظةً بليغة تهزّ القلوب.
جمال خِلقة وجمال خُلُق
كان الحسن طويلَ القامة، جميلَ الطلعة، حتى قيل: كان من أجمل أهلِ البصرة. وقد أُصيب في أنفه يومًا بسقوطٍ من دابّته، فما نقص ذلك من جماله شيئًا. وحُكي أنّ الشعبي قال لمن قصد البصرة: إذا دخلتَها فسلّم على الحسن. قيل: وكيف أعرفه؟ قال: سل عن أجمل أهلها؛ فهو الحسن. غير أنّ جمالَه الأكبر كان في خُلقه وزهده وصدق لهجته.
شجاعته في قول الحق
جمعَ الحسنُ بين العلم والعمل، ولم يكن يخشى في الله لومةَ لائم. ففي ولاية يزيد بن عبد الملك، استشار والي العراق عمرَ بن هبيرة عددًا من العلماء، منهم الحسن، في شأن طاعة الخليفة فيما قد يخالف الحقّ. فأجاب الحسن بكلمةٍ خالدة: يا ابنَ هُبيرةَ، خَفِ اللهَ في يزيدَ، ولا تَخَفْ يزيدَ في اللهِ. إِنَّ اللهَ يَمْنَعُك مِن يزيدَ، وَإِنَّ يزيدَ لا يَمْنَعُك مِن اللهَ، وَأُوشِكَ أَنْ يَبْعَثَ إليك مَلَكًا فَيُزِيلَك عن سريرِك، ويُخْرِجَك مِن سَعَةِ قَصْرِك إلى ضِيقِ قَبْرِك، ثم لا يُنْجِيك إلا عَمَلُك. فكانت كلمة صدقٍ أمام سلطانٍ جائر، تدلّ على رسوخ الإيمان وقوة اليقين.
حكمته مع الخلفاء والعلماء
ولما تولّى العادلُ الزاهد عمر بن عبد العزيز الخلافةَ، كتب إلى الحسن البصري: إنّي قد ابتليتُ بهذا الأمر فانظر لي أعوانا يُعينونني عليه. فأجابه الحسن: أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك، فاستعن بالله. كلمات قليلة، لكنّها تحمل فلسفةً عميقة في فهم طبائع النفوس ومزالق السلطة.
مجلسه ومنهجه
كان مجلس الحسن مقصدًا للعامّة والخاصّة، يحضرُه الولاةُ وكبارُ القوم، فلا يقطع درسَه لقدومهم، ولا يخصّهم بعناية. الناسُ عنده سواء؛ لا فرقَ بين شريف ووضيع. وكان المسلم وغير المسلم يجلسان في حلقته، متعطّشين لحكمته. وقد زار جارًا نصرانيًا له عند مرضه، وأدّى حقَّ جاره اليهودي، فكان مثالًا للتعايش والخلق الرفيع.
وفاته
رأى رجلٌ في المنام طائرًا يأخذ أفضل حصاةٍ من المسجد، فقصّ رؤياه على ابن سيرين، فقال:
إن صدقتَ رؤياك فقد مات الحسن. ولم تمضِ إلا برهة حتى جاء خبر وفاته سنة 110هـ بالبصرة. وشهد جنازته خلقٌ عظيم، حتى قيل: إنّ الناس انشغلوا بتشييعه عن صلاة العصر في المسجد، ولم يُعرف أنّ المسجد خلا من المصلين قبل ذلك اليوم.
كان الحسن البصري مدرسةً قائمة بذاتها؛عالمًا راسخًا في العلم، عابدًا خاشعًا، خطيبًا مفوّهًا، ناصحًا للولاة، ومربيًا للقلوب. أحيا الله به معاني الزهد، وربط العلمَ بالعمل، وأقام الحجّة على أنّ العالم الحقّ هو من جمع بين نور المعرفة وحرارة الخشية.



