يُعدّ التشهير (Defamation) جريمة يعاقب عليها في جميع الأنظمة القضائية الجنائية الحديثة، ويمكن اتخاذ إجراءات جنائية ومدنية ضد من يقترفها. وهذا يعني أنه يمكن من تعرض لذلك المطالبةُ بمعاقبة الجاني جنائيًا، والمطالبة منه بالتعويض المدني عن عرضه المهتوك. ويُصنّف التشهير عادة إلى نوعين: شفهي وكتابي. ووفقًا لقانون العدالة الهندي الجديد الذي دخل حيز التنفيذ بعد قرن ونصف من تعديل القانون الجنائي في الهند، فإن التشهير جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى سنتين مع غرامة مالية. ومن الملفت أن العدالة الجنائية الحديثة لا تتناول محتوى التشهير حسب مدى خطورته وفظاعته وتداعياته، سواء كان شفهيا أو كتابيا.
أما الشريعة الإسلامية الجنائية فتعطي أهمية كبرى لكرامة الإنسان، وتعدّ هتكها جريمة خطيرة، وتصنف القذفَ والرمي بالدعارة من الجرائم الكبيرة باعتباره شكلا خاصا من التشهير. ففي الآية الرابعة من سورة النور في القرآن الكريم نجد معالجة واضحة لهذا الموضوع: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". كلمة "المحصنات" في هذه الآية تعني النساء العفيفات، المتزوجات، وذوات السلوك النزيه. ونظرا لكون الزنا عملا دنيئا، فإن توجيه تهمة الزنا لشخص ما يتسبب له في ألم نفسي كبير ووصمة عار اجتماعية. لذلك، يعتبر اتهام الزنا جريمة خطيرة في نظر الدين الإسلامي.
وليست هذه الجريمة النكراء منحصرة في اتهام النساء المحصنات بالفاحشة، بل يشمل الحكم توجيه تهمة الزنا إلى الرجال المحصنين أيضا. فالعقوبة المتمثلة في الجلد ثمانين جلدة تنطبق في هذه الحالة أيضا. ويعود سبب تخصيص النساء في الآية إلى أن النساء أكثر تضررا من آثار هذه التهم اجتماعيا ونفسيا. وإذا اتهم أحدهم شخصا بالزنا وجب عليه أن يثبت ذلك بأربعة شهود رجال، يشهد كل منهم أنه رأى بأم عينه عضو الذكر يدخل فرج المرأة. وإن لم يحضر بهذه الشهادة ، فإن العقوبة تقع على من اتهم بالزنا، وهي الجلد ثمانين جلدة. بالإضافة إلى ذلك، لا تقبل شهادة هذا الشخص أبدا، ويعدّ من "الفاسقين"، أي أصحاب الفجور.
ويعدّ اتهام الزنا من بين السبع الكبائر الموبقات في الإسلام. والدين يحذر بشدة من إطلاق تهمة الزنا جزافا أو بناء على إشاعات. فلا يجوز للإنسان أن يتهم أحدا بالزنا بمجرد الظنون أو الأقوال المتداولة. ويشترط الشرع لإثبات الزنا أن يشهد أربعة رجال من العدول برؤية صريحة لا لبس فيها، ويشهد كل واحد منهم بأنه رآى عضوه التناسلي في فرجها كالمرود في المكحلة، ولا يثبت الزنا إلا بهذه الشهادة. وليس هذا الإلزام الشديد الصارم لأنه يخفى على الإسلام أن هذا النوع من الإثبات لا يقع إلا نادر جدا، بل يهتم الإسلام غاية الاهتمام بستر العيوب والحفاظ على كرامة الإنسان، وينهى عن التساهل في التسرع في توجيه الاتهامات. فإن موقف الإسلام واضح: "لا تفكروا في الناس إلا بالخير". ومع ذلك، فإن الشريعة الإسلامية لا تمنع من تنفيذ العقوبة الشرعية في حق من ارتكب الزنا فعلا وجاء تائبا.
أما القانون الجنائي الحديث، فيعرّف التشهير بأنه إصدار بيان كاذب يضر بسمعة شخص ما. وبناء عليه، فإن التصريحات المبنية على الحقيقة، أوالمنطوية على نية حسنة، أو الهادفة للمصالح العامة لا تندرج تحت مفهوم التشهير. لكن الشريعة تؤكد على حتمية كون البينة في تهمة الزنا قاطعةً وقويةً. فلا ينبغي أن يتم تدمير مستقبل إنسان أو تلوَّث الأجواء الاجتماعية بسبب إشاعات أو اتهامات عشوائية لا دليل عليها. فكم من الناس يسحقون يوميا تحت وطأة المهانة بسبب اتهامات كاذبة عشوائية، ويساق إلى مصرع مدني من الإذلال والإهانة!
