سيادة القانون تعني أن القانون هو السائد والمهيمن، وأن الجميع يخضعون له دون استثناء. وبمعنى آخر، أن الجميع متساوون أمام القانون. وإذا سألنا: من صاحب السيادة؟ وأي قانون هو الأعلى؟ فإن الجواب هو "قانون الدولة". فإن "سيادة القانون" من النظريات العالمية للعدالة، ولم تعد هناك اليوم دولة لاتعترف بها أو ترفضها علنا ، إلا أن هناك بعض الدول قد تقوضت فيها سيادة القانون، أو تغيبت بالكلية عن حيز الممارسة العملية ، كحال بعض الدول الإفريقية التي مزّقتها الصراعات الداخلية، وأصبحت الغلبة فيها لمن يحمل السلاح، فانعدمت العدالة والأمان، وساد الفوضى. قد لا يُدرك من يعيش في مجتمعات يسود فيها القانون بشكله الطبيعي مدى الفوضى والهلع الذي يعانيه من يعيش في ظل غياب هذا القانون. فإن خضوع المجتمع لسيادة القانون ضرورة حتمية لحماية الإنسان وغيره من الكائنات.
أما في الأنظمة الحديثة، فإن طريقة الحكم تعتمد على قيام ممثلي الشعب بصياغة القوانين وإلزام المواطنين بها. بينما الإسلام يُوكل الحاكم بمهمة تطبيق القوانين التي وضعها الله مسبقًا. فالقانون في الإسلام مُعدّ سلفًا من قبل الخالق سبحانه وتعالى؛ ولهذا لا وجود في النظام السياسي الإسلامي لمؤسسة "تشريعية" بالمعنى المتعارف عليه؛ لأن الأصل أن القانون موجود ومُنزّل من عند خالق البشرية، فلا حاجة إلى اختراعه أو إقراره من البشر. وليست للمواطنين ولا لممثليهم سلطة وضع القوانين، لكن هناك قانون مقرر، وعلى الجميع الالتزام به وإخضاع المجتمع له، وهذه هي "سيادة القانون" في الإسلام. ولا توجد في الإسلام حالات خارجة عن التشريع. فإن التشريع في العالم الحديث لا يزال يخضع للتطوير، وقد يبدو ذلك تطورًا إيجابيًا، إلا أن الواقع يشهد أن غياب النصوص القانونية يؤدي أحيانًا إلى ضياع العدالة. ومن أمثلة ذلك ما أصدرت مؤخرًا المحكمة العليا في الهند التي تعتبر أكبر دولة ديموقراطية في العالم بتبرئة متهم في قضية قتل امرأة بصورة بشعة بعد أن أُجبرت على علاقة جنسية شاذة من قبل زوجها، وتم تبرئة هذا المتهم بحجة غياب بند قانوني واضح ينص على إجرام "العلاقة الشاذة" في القانون الجنائي الهندي الجديد. هذا الفراغ التشريعي لا يمكن أن يحدث في النظام القضائي الإسلامي؛ لأن مصادر التشريع الإسلامي الأربعة -القرآن، السنة، الإجماع، القياس- لا تخلو عن حكم لأمثال هذه القضايا. والقرآن الكريم يَنهى صراحة عن الشذوذ الجنسي، كما في سورة هود التي تذكر أن هذا الفعل كان سببًا في هلاك قوم. وإجبار الزوجة على مثل هذه الشنيعة محرم في الشريعة، ويُعد جريمة في نظر الإسلام.
المجتمع لا يزال يتطور باستمرار، وقد يتساءل البعض: هل سينزل الله أحكامًا جديدة لكل قضية مستجدة لم يسبق لها نظير من نوعها، والذي ينشأ في مجتمع يخضع للتغير باستمرار؟ والجواب أن الشريعة لا تحتاج إلى تنزيل جديد، بل هناك آليات للربط بين المستجدات والأحكام الشرعية الثابتة، وذلك من خلال "الاجتهاد"، وهو مهمة العلماء المتأهلين المتعمقين في الدين. هؤلاء العلماء لا يبتكرون قوانين جديدة، وإنما يستخرجون الحكم من النصوص الشرعية. ولا يجوز للحكام أو عامة الناس سنّ قوانين من عندهم حتى ولو ولو انعدم المجتهدون المستنبطون للأحكام من النصوص الثابتة ، بل الواجب الرجوع لقواعد المجتهد وأصوله. ففي الإسلام، السيادة التشريعية لله وحده، وهذا ما يعني بقوله تعالى في سورة الأنعام، الآية 57: "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ". وهذا هو جوهر سيادة القانون في الإسلام: أن التشريع لله، وليس على الحكومة في المنظور الإسلامي إلا تطبيق وتنفيذ هذه القوانين والأحكام. وأما من يتولى الحكم، فإن وُجد من هو مؤهل من الناحية الدينية والسياسية، يتم اختياره من قِبل الناس، وهذا ما يُعرف بـ "البيعة".
