تُعدّ حرية التعبير من أبرز الحقوق التي تضمنها الدول الديمقراطية الحديثة لمواطنيها. وبشكل عام، تعني حرية التعبير حق المواطن في إبداء رأيه دون خوف من العقوبة من قبل السلطة. وقد يكون التعبير عن الرأي من خلال الكلام، أو الكتابة، أو الفنون وغيرها من الوسائل. ومع ذلك، فإن هذا الحق ليس مطلقًا في أي دولة، بل هو مقيّد بقيود مثل الخلو عن التحريض على الجريمة، وتهديد أمن الدولة، وهتك الأعراض، وغيرها من الضوابط.
المنظور السياسي الإسلامي يقوم على أساس أن الحكم يجب أن يُبنى على قانون الله. وهذا لا يعني أن الدين الإسلامي يكمُّ أفواه الأفراد، أو يكبحهم عن إبداء رأيهم. فطالما أن الحاكم يحكم وفقًا لقانون الله، فلا يحق للشعب العام الشغب أو الاعتراض عليه؛ لأن ذلك يُعدّ اعتراضًا على شرع الله نفسه، ولا يملك الفرد هذا الحق.
لكن، إذا خالف الحاكم شرع الله، فيحق لمواطني الدولة الإسلامية الاعتراض عليه ورفع الصوت ضده. قال النبي ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان." وهذا الحديث الشريف يوضح أن الاعتراض على مخالفة قانون الله ضرورة دينية. وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ: "الدين النصيحة." قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم." فتقديم النصيحة للحكام والزعماء المسلمين جزء من الدين، وهو من أوجه حرية الرأي التي يكفلها الإسلام.
وفي موضع آخر، قال النبي ﷺ إن أعظم الجهاد هو كلمة حق عند سلطان جائر. فإذا لم يُعلن المسلم اعتراضه، فقد يكون ذلك نوعًا من التواطؤ على الظلم.
ويحسن بنا أن نعرف مدى تسامح خلفاء المسلمين في الدول الإسلامية للشعب العام في حريتهم في التعبير. فمثلًا، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبينما كان يُخاطب الناس، صاح أحدهم: "يا عمر! اتقِ الله!" فاستنكر بعض الحاضرين ذلك قائلين: هل يخاطَب أميرُ المؤمنين هكذا ؟ فقال عمر: "دعوه، فليقله، ما أجملها من كلمة!"
وهذا يوضح مدى سعة صدر الخليفة لرأي المواطن، حتى وإن كان مخالفًا أو ناقدًا، ما دام منضبطًا ومبنيًا على التقوى.
وبعد وفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقعت اضطرابات في خلافة الحكم، حيث دبّ الخلاف بين أخيه نجم الدين (حاكم مصر) وصالح إسماعيل (حاكم الشام). فأقدم صالح إسماعيل على شراء أسلحة من تجار دمشق. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رضي الله عنه - مفتي دمشق وخطيب الجامع الأموي - قد أدرك خطر هذا التصرف. فأوقف الدعاء للسلطان في خطبة الجمعة، وأصدر فتوى بتحريم بيع السلاح. إنها صورة من صور المعارضة الصريحة التي تمثل حرية التعبير في المنظور الإسلامي، ما دامت مستندة إلى شريعة الله. فالمرجعية العليا في تقرير ما هو عدل أو ظلم إنما هي شريعة الخالق التي لا خلل فيها.
