من الحقوق الأساسية في كل دولة بما فيها أمريكا وبريطانيا والهند ألا يُجبر المتهم على الشهادة ضد نفسه. ويُعتبر هذا المبدأ من أهم المبادئ في النظام القضائي الجنائي العالمي؛ إذ إن أساسه هو أن القانون يعتبر المتهم بريئًا حتى تثبت إدانته بما لا يدع مجالًا للشك. وتقع مسؤولية إثبات الجريمة على الادعاء (النيابة العامة). لذلك، لا يُطلب من المتهم أن يُدلي بشهادته إذا كان ذلك ضد مصلحته. ويُعتبر هذا النوع من الحماية حقًا دستوريًا أساسيًا في الهند.
على الرغم من أن هذا القانون يمثل درعا يضمن للمتهم الحماية من إجبار ضباط الشرطة على الشهادة ضد نفسه باستخدام القوة، إلا أن هناك فراغًا أخلاقيًا. إذ لعل المتهم يخون ضميره بصمته أو امتناعه عن قول الحقيقة. وعلى العكس، فإن المنظور الإسلامي للعدالة الجنائية يرى أنه حتى لو كانت الشهادة ضد النفس تسبب ضررًا شخصيًا، فإن من واجب المؤمن أن يصدع بالحق من أجل إقامة العدالة. في الآية 135 من سورة النساء، يأمر الله المؤمنين بأن يقيموا العدل حتى مع أنفسهم، أو الوالدين، أو الأقارب، يقول المفسر الشهير الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى في الآية المذكورة ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئِلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مَضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه.
فالله لا يكتفي بأن يأمر عباده بأن يشهدوا بالحق حتى وإن كان ضد أنفسهم، بل يطمئنهم أيضًا بأنه سيكون معهم في تلك اللحظات العصيبة، وهذا هو تجلّي البعد الأخلاقي الجميل في التصور الإسلامي للعدالة. ما يُلفت النظر في هذا السياق هو أن الإسلام يركّز على إقامة العدل، حتى وإن ترتب على ذلك ضرر للفرد نفسه. وعلى العكس من ذلك، فإن الحماية القانونية التي تمنع إجبار المتهم على الشهادة ضد نفسه قد تُستخدم كأداة لطمس الحقيقة، مما يجعل العدالة مجرد نتيجة لما يُعرض من أقوال بين طرفي الادعاء والدفاع داخل المحكمة، بدلاً من كونها بحثًا حقيقيًا عن الحقيقة.
ومن المعروف أن من أهم مصادر القوانين هي الأديان. وتكون العدالة حقيقية فقط عندما تصبح المبادئ الأخلاقية للأديان الصحيحة جزءًا من عملية التشريع والإجراءات القضائية. الآية القرآنية المذكورة أعلاه توضح شفافية قوانين الخالق، إذ لا مجال فيها للكتمان أو التلاعب، بل تأمر بالشهادة بالحق حتى ولو كانت ضد نفسه. وهذا يعكس وجهة النظر الإسلامية الحقيقية تجاه العدالة. فمفهوم العدالة في الإسلام يبدأ من تهذيب الفرد، ويمتد ليشمل النظام القضائي للدولة بأكملها، وله أبعاد اجتماعية وسياسية، ولكن أيضًا له بُعد شخصي، وهو أن يصبح الإنسان صالحًا. الرؤية الإسلامية للعدالة تتطلب شرحًا خاصًا لأنها متميزة ومتكاملة.
