العلمانية تُعد من القضايا الأساسية في العلاقات السياسية العالمية. ويمكن تمييز اتجاهين رئيسيين ضمن مفهوم العلمانية في العالم. أولها هو المنظور الغربي الذي يطالب بإبعاد الدين تماما عن البيئة الاجتماعية للدولة وحصر ممارسته فقط في الحياة الخاصة للمواطنين، وهذا المنظورُ أيديولوجيةٌ مبنية على إنكار الدين إلى حد ما، حيث لا تُبدي الدولة استعدادًا لاحترام معتقدات المواطن الدينية. وتصبح هذه الإشكالية أكثر وضوحًا عندما ندرك أن هذا المنظور الغربي العلماني يتخذ طابعا سلبيا تجاه معتقدات المواطن الدينية في حين أن الدين غالبًا ما يُشكّل عنصرًا أساسيًا في هوية الفرد في أي مجتمع مدني. وَالحقيقة أن الدولةَ لا يمكنها تجاهل التنوع الديني الموجود داخل المجتمع، حتى ولو سلمنا أن هذا المنظور الرجعي الرافض للدين تَشكلَ نتيجةً للمحاولات لفصل الكنيسة عن الدولة.
أما الاتجاه الثاني للعلمانية، فهو ألا تتبنى الدولة دينًا رسميًا لها وتتعامل مع جميع الأديان على قدم المساواة. وتقوم مبادئ العلمانية في الدول الديمقراطية بما فيها الهند الديمقراطية على أساس احترام كل الأديان والمعتقدات والإلحاد على حد سواء، وهنا لا يجب أن يكون الدين مقتصرا على الحياة الخاصة للمواطن. ولا ترغم الدولة أن تكون الحياة الاجتماعية لمواطنيها بعيدة عن الدين. لكنها، في الوقت نفسه، ملتزمة على ألا تكون دولة دينية "ثيوقراطية". ومن مميزات هذا المنظور الثاني أنه يعترف بوجود الدين الفاعل في حياة المواطنين، على عكس المنظور الغربي المناهض للدين تمامًا.
وهناك تصور عام -تم تصويره عمدا أو دونه- أن الإسلام لا يدع مجالا للحرية الدينية والعقدية، على حين أن تاريخ الدول الإسلامية يشهد أن الإسلام أيديولوجية يسمح بموجبها لكل مواطنيها بالحرية العقدية، ويضمن لهم حقوقهم وحمايتهم في ظل الدولة مهما كان انتماؤهم العقدي.
نجد في المجتمع ثلاث فئات من الناس على أساس معتقداتهم الدينية . الفئة الأولى لا تتدين بأي دين من الأديان، وتعتقد أن كل الأديان باطلة وخرافات وأوهام، وهي الملحدة. والفئة الثانية لا تنحاز إلى أي دين خاص، بل تعتقد أن جميع الأديان صحيحة وأنها سبل تؤدي إلى هدف واحد، أما الدين الإسلامي فلا يتفق مع أيٍّ من هذين الاتجاهين، بل يؤكد بأن الدين الصحيح هو الدين الإسلامي فقط، أما ما عدا ذلك فباطل مردود، وهراء مرفوض، ومع ذلك فإنه يعترف بحقوق أتباع الديانات الأخرى ويمنحهم كرامة إنسانية، ويضمن لهم أمانا اجتماعيا. والذي يؤمن بأن دينًا واحدًا هو الحق، ويمنح الآخرين قدرًا من الكرامة والاحترام، لا يُعد متطرفًا ولا متعصبًا دينيًا. وبالتالي، المسلم لا يشكل تهديدا لحياة أتباع الديانات الأخرى.
في الآية 70 من سورة الإسراء يقول الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ". فالله قد كرّم كل بني آدم، وهذا يشمل غير المسلمين أيضًا. ويستحق غير المسلم هذا التكريم ما دام لا يعتدي على غيره. وعندها فقط تحترم الدولة الإسلامية دمه وماله وكرامته. أما إذا أهان هذا الإنسان كرامته بفعله هو – كأن يُعلن عداءه للإسلام ويهدد حياة المسلمين – فإنه هو مَن أزال عن نفسه هذا الحق، ولا يصبح مستحقًا للحماية أو الاحترام. وهذا ينطبق على المسلم أيضًا، فإن ارتكب المسلم جريمة كالقتل، فقد سلب من نفسه حق الحماية، ويُصبح دمه مهدورًا بحكم الشرع نتيجة جريمته.
عندما شاهد النبي ﷺ جنازة يهودي تمر من أمامه، قام واقفًا احترامًا لها، تقديرًا للكرامة الإنسانية، وهذا دليل على احترام الإنسان من حيث هو إنسان. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد عاش النبي ﷺ في مجتمع المدينة بتلاحم اجتماعي مع اليهود، وكان بينهم تبادل وتعاون. ومن الأدلة على ذلك ما ذكرته السيدة عائشة رضي الله عنها من أن درع النبي ﷺ كانت مرهونة عند يهودي وقت وفاته. كما أن النبي ﷺ زار غلامًا يهوديًا كان يخدمه عندما مرض، وهذا دليل على إنسانيته. لو كان الإسلام دين تعصب، لما زار النبي ﷺ هذا الطفل اليهودي في بيته، بل لما نشأت أصلاً مثل هذه العلاقة التاريخية. فالدين الإسلامي يعتمد أساسا على شرع الله الذي يوصي بالإنسانية والاعتدال والتسامح.
