تحمل السورة السابعة والعشرون من القرآن الكريم اسم النمل، وقد ورد ذكر هذا الكائن الصغير في الآية الثامنة عشرة من السورة نفسها، وذلك ضمن سياق قصة تعكس جانباً من موكب نبي الله سليمان عليه السلام الملكي.
كان نبي الله سليمان عليه السلام أحد الملوك الذين سادوا العالم بأسره، حيث سخر الله تعالى له الجن والشياطين والرياح، كما وهبه القدرة الفريدة على فهم لغة الطيور والحيوانات.
ويُروى عن وهب بن منبه أن سليمان عليه السلام كان في رحلة من اصطخر متجهاً نحوَ اليمن، يرافقه أهله وخدمه وجيشه العظيم، بمعداتهم وخيامهم ومؤنهم.
خلال تلك الرحلة، مر الموكب بالمدينة المنورة، فدعا سليمان عليه السلام بالخير والبركة لمن آمن بالنبي محمد ﷺ واتبعه. واصل الموكب مسيره حتى وصلوا إلى منطقة في الطائف تُعرف بـوادي السدير، حيث توجد مستعمرات ضخمة للنمل. وعند اقتراب الجيش، بادرت نملة بتوجيه نداء تحذيري لبقية السرب، وهو المشهد الذي خلد القرآن تفاصيله في قوله تعالى:
حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَتَوۡا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةࣱ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُوا۟ مَسَـٰكِنَكُمۡ لَا یَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَیۡمَـٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكࣰا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ وَعَلَىٰ وَ ٰلِدَیَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَـٰلِحࣰا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِی بِرَحۡمَتِكَ فِی عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِینَ [سورة النمل: 18، 19]
عندما سمع سليمان عليه السلام قولها، ارتسمت على وجهه ابتسامة تعجب وامتنان، فتوجه إلى الله تعالى بالدعاء قائلاً: رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ وَعَلَىٰ وَ ٰلِدَیَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَـٰلِحࣰا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِی بِرَحۡمَتِكَ فِی عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِینَ إن هذه الآيات لا تسرد قصة فحسب، بل تقدم حقائق ومعارف عميقة تؤكد على المصدر الإلهي للقرآن الكريم.
أولاً: بوابة إلى علم النمل (Myrmecology)
الميرميكولوجيا هو العلم المختص بدراسة النمل. وبالنسبة للمؤمن، فإن هذه الآية القرآنية تشير إلى أن النمل ليس مجرد كائن حي ضئيل، بل هو عالم غني يستحق التأمل والدراسة العميقة. إن أيّ باحث يغوص في تفاصيل حياة النمل سيجد نفسه أمام كون مليء بالمعجزات والدهشة.
ينتمي النمل إلى رتبة غشائيات الأجنحة (Hymenoptera)، ويوجد منه أكثر من 11,000 نوع حول العالم. يتميز هذا الكائن الصغير بقدرة فائقة على حمل أوزان تفوق وزنه بأضعاف كثيرة، كما يمتلك نظاماً بصرياً فريداً يسمح له برؤية الجهات الثماني والأعلى والأسفل في آنٍ واحد. بالإضافة إلى ذلك، يتمتع النمل بحاسة شم قوية جداً، ونظام اجتماعي مذهل في بناء المستعمرات وإدارة شؤونها.
هناك قيم كثيرة يمكن للإنسان أن يتعلمها من النمل، مثل: اليقظة، والانضباط، وروح المسؤولية، والدقة، والتعاون، والإخلاص، والعمل الدؤوب، وحسن الظن، وحب الجماعة.
وفي هذه الآية الواحدة فقط، يمكننا استنباط 13 لمحة عن سلوك النمل وذكائه: لقد أدركت النملة الخطر القادم، وأوجدت الحل فوراً، ونادت بأعلى صوتها، واستخدمت أسلوب نداء ينبه الجميع يا أيها النمل، ثم أمرت ادخلوا، وحذرت لا يحطمنكم، وأكدت على التحذير، ونصحت، وأنذرت، وعللت سبب الأمر، والأجمل من ذلك أنها التمست العذر للآخرين بقولها:(وهم لا يشعرون.
إن تضمين كل هذه المعاني والدروس في آية واحدة قصيرة هو دليل ساطع على الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن الكريم.
ثانياً: النمل ونظام الحياة الاجتماعية المنظم
تعتبر العبارة التي وردت على لسان النملة في هذه الآية مثالاً رائعاً للحياة الاجتماعية الراقية؛ فهي لم تفكر في نجاة نفسها فحسب، بل سارعت لإنقاذ مجتمعها، وهذا هو الجوهر الحقيقي للمسؤولية الجماعية. ولا تقتصر الإشارة إلى هذا الجانب في الآية فقط، بل إن تسمية السورة بأكملها باسم النمل توحي بهذا الترابط الاجتماعي الوثيق.
لا يمكن للنمل أن يعيش حياةً فردية، فإذا عُزلت النملة عن مجموعتها، فإنها إما أن تبحث عن سرب تنضم إليه أو تموت وحيدة. وتضم المستعمرة الواحدة عدداً يتراوح ما بين المئات إلى الملايين من النمل، يعيشون في تناغم ونظام مدهش يفوق الوصف البشري. يبني النمل بيوته في التربة أو على الأشجار، ورغم بساطة شكلها الخارجي، إلا أنها عالم معقد يضم فئات مختلفة: الملكات، العاملات، الذكور المجنحة، الإناث المجنحة، والجنود.
الملكات:
هي إناث قادرة على التكاثر، وعادةً ما تكون بلا أجنحة. قد تضم المستعمرة ملكة واحدة أو عدة ملكات، وتتميز بطول عمرها الذي قد يمتد من سنة إلى خمس عشرة سنة. لا تشارك الملكة في الأعمال الشاقة، بل تتركز مهمتها الأساسية في وضع البيض داخل غرف عميقة ومحمية، بينما يتكفل العمال بجلب الطعام لها، ولا تغادر الملكة مسكنها إلا عند الانتقال لبناء مستعمرة جديدة.
العاملات:
هن إناث غير قادرة على التكاثر، ويقع على عاتقهن العبء الأكبر في إدارة المستعمرة. تشمل مهامهن إطعام الملكة واليرقات، وتنظيف المسكن، وتنظيم العمل وتوزيعه؛ فمنهن من يختص بالمهام الخارجية ومنهن من يعمل في الداخل. يقمن بنقل البيض، ورعاية الصغار، وجلب المؤن، والتخلص من النفايات خارج الخلية. ومن العجيب أن بعض العاملات يخزنّ الطعام في أجوافهن ثم يقمن باسترجاعه لإطعام الآخرين.
تخرج العاملات للبحث عن الطعام فرادى أو جماعات، ويقمن بتخزين الحبوب بعناية لمواجهة الأيام الصعبة في فصل الشتاء. ومن ذكائها الفطري أنها تقطع جذور الحبوب لضمان عدم نموها وفسادها أثناء التخزين، وإذا تعرضت الحبوب للرطوبة، تخرجها النملات لتجف تحت أشعة الشمس ثم تعيدها فور جفافها. كما يمتلك النمل تقنيات فطرية مذهلة للتحكم في درجات الحرارة داخل مستعمراته.
النمل والجراحة:
كشفت دراسة أجراها عالم البيئة السلوكية إريك توماس فرانك من جامعة "وورتسبورغ في عام 2024 عن مفاجأة مذهلة: النمل يمارس الطب والجراحة ! ففي حال إصابة إحدى النملات في أطرافها، تقوم النملات الأخرى بمحاولة علاجها عبر إفرازات فموية تعمل بمثابة دواء. أما إذا كانت الإصابة بليغة ولا يمكن شفاؤها بالدواء، فإنها تلجأ إلى إجراء عملية جراحية قد تستغرق ما بين 40 دقيقة إلى ثلاث ساعات لإنقاذ حياة المصابة.
الجنود:
أما فئة الجنود فهي مجهزة تماماً لمواجهة الأخطار؛ إذ تتميز برؤوس كبيرة وفكوك قوية (Mandibles) قادرة على العض والقطع. وعند شعورهم بوجود عدو عند مدخل المسكن، يستخدم الجنود رؤوسهم الضخمة لإغلاق المدخل تماماً ومنع التسلل. كما يمتلك النمل سلاحاً كيميائياً فتاكاً، حيث يفرز حمض الفورميك (Formic acid) للدفاع عن نفسه وردع المهاجمين.
ثالثاً: للنمل لغته الخاصة
تتمحور القصة القرآنية حول نملةٍ تُصدر نداءً تحذيرياً لبقية النمل، وهذا يضعنا أمام تساؤلٍ جوهري: هل للنمل لغة فعلاً؟ هل يتحدثون ويتواصلون فيما بينهم؟ وإن كان سماع النبي سليمان عليه الصلاة والسلام لهذا النداء يُعدّ معجزةً إلهية خُصّ بها الأنبياء، إلا أن القرآن الكريم يؤكد أن سائر الكائنات هي أممٌ قائمة بذاتها تماماً كالبشر.
يقول الله تعالى في سورة الأنعام: وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰۤىِٕرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مِن شَیۡءࣲۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ یُحۡشَرُونَ
وهذا يشير بوضوح إلى أن مفهوم اللغة ليس حكراً على الإنسان وحده، بل إن القرآن أشار أيضاً إلى لغة الطير.
وبالرغم من الدراسات العلمية الكثيرة التي حاولت فك رموز لغة النمل وفهم أبجدياتها على مدار سنوات طويلة، إلا أن أسرارها لا تزال أعمق من أن يدركها البشر بالكامل.
عجيبٌ أمر هذا الكائن الصغير الذي يتراوح طوله بين ملي مترٍ واحد وسبعة ملي مترات، ويملك دِماغاً لا يتجاوز حجم ذرة الملح؛ فبالرغم من ضآلة حجمه، إلا أنه يمتلك قدرةً فائقة على التواصل بلغاتٍ متعددة. فهو لا يتحدث مع أفراد مستعمرته بنفس الأسلوب الذي يخاطب به النمل من مستعمرات أخرى أو الكائنات الحية المختلفة، بل يطوع لغته حسب الموقف والطرف الآخر.
وفقاً لما توصل إليه العلم حتى الآن، يمتلك النمل منظومة تواصل متطورة تعتمد على ثلاث لغات أساسية:
أولاً: اللغة الكيميائية
حيث يفرز النمل مواداً كيميائية تُعرف بـ (Pheromones)، وهي بمثابة رسائل مشفرة تنقل تعليمات محددة، أو تحذيرات عاجلة، أو إشارات إرشادية لبقية أفراد المجموعة.
ثانياً: لغة الجسد والحركة
ويعتمد فيها النمل على حركات دقيقة ومنظمة باستخدام الأرجل، أو البطن، أو قرون الاستشعار، لإيصال معانٍ ومشاعر لا تستطيع الكيماويات نقلها بمفردها.
ثالثاً: اللغة الصوتية
وقد اكتشف علماء الحيوان أن النمل يصدر ذبذبات صوتية معينة تلتقطها خلايا حسية خاصة في أرجله.
ورغم أن الأبحاث لا تزال في بدايتها، إلا أنها تؤكد أن هذه الحياة الاجتماعية المعقدة لا يمكن أن تستقيم بدون وسائل تواصل فعالة. بل والمدهش في عالم النمل، ما ذكره بعض الباحثين من وجود مجالس للسمر يجتمعون فيها للترويح عن أنفسهم، فضلاً عن وجود أسواق ومنظومات تبادل تجاري ثابتة ومنظمة فيما بينهم.
إليك ترجمة هذا الجزء بأسلوب أدبي رفيع وسلس، يبرز الحكمة والذكاء في عالم النمل كما صوره النص:
رابعاً: للنمل ذكاءٌ وقاد، وذاكرةٌ واعية
إن المتأمل في النداء الذي وجهته النملة في الآية القرآنية الكريمة، يجد فيه دلالات عميقة على الذكاء والوعي؛ فهي لم تكتفِ بالتحذير لسرعة النجاة، بل أظهرت إدراكاً مذهلاً لهوية القادمين، معتذرةً عنهم بأن حطمهم للنمل لن يكون عن قصد أو عمد. هذا الوعي والتمييز يتجلى بوضوح في ثنايا النص القرآني.
وفي عالم النمل جنودٌ ساهرون، يمتاز هؤلاء الحراس بحجم قد يفوق بقية النمل بـ 300 ضعف. يتحركون بجهوزية تامة ويقظة عالية، ولا يترددون لحظة في التضحية بأرواحهم لصد أي هجوم، بل إنهم يهاجمون الأعداء بضراوة، وقد يتشبثون بأحذية المارة للدفاع عن مستعمرتهم. إن تقسيم العمل لديهم، وطرق تخزين الطعام وتوزيعه، تعكس نظاماً مؤسسياً غاية في الدقة والترتيب.
والأعجب من ذلك كله، أن النمل يمارس نوعاً من الزراعة وامتلاك المواشي! فلديهم كائنات صغيرة يربونها كمصدر للغذاء مثل المنّ يستخلصون منها مواداً سكرية تشبه الحليب، ويقوم النمل بذكائه الفطري بتسخير هذه الكائنات لخدمته. وبينما يستفيد الإنسان من بعض الحيوانات لقضاء حوائجه، نجد أن النمل قد سبق ببناء منظومة متكاملة يستعبد فيها كائنات أصغر منه لتلبية احتياجات مستعمرته.
مزارع النمل العجيبة
تُعرف النملة البارعة في فنون الزراعة باسم آتا (Atta)، وهي تستوطن أدغال أمريكا الجنوبية. يراها الناظر وهي تحمل قطعاً من أوراق الشجر تفوقها حجماً، وكأنها تمشي بمظلات ملونة، لذا أطلق عليها العلماء اسم نمل المظلة (Parasol Ants)، تشبيهاً لها بتلك المظلات الزاهية التي تُحمل للزينة.
لكن هذا النمل لا يتجشم عناء حمل تلك الأوراق الضخمة لبناء البيوت، بل يسعى لتوفير السماد لمزارعه الخاصة. يسكن هذا النوع في جحور عميقة تحت الأرض، تضم غرفاً واسعة مهيأة بدقة، حيث تُقام هناك حدائق فطرية يزرع فيها النمل نوعاً خاصاً من الفطريات يعشق أكله، ويعتمد عليه كغذاء أساسي.
وفي هذه المزارع الخفية، تعمل آلاف النملات يومياً بجد وكدّ لرعاية المحصول؛ حيث تنقسم الأدوار بين فرق متخصصة. فالنملات القوية ذات الفكوك الحادة هي المكلفة بقطع الأوراق، وإذا استعصت ورقة كبيرة، تكاتفت نملتان أو ثلاث لقطعها وحملها معاً، بينما ينفرد الأقوياء بحمل الأوراق الصغيرة.
وبمجرد وصول الحمالين بالأوراق إلى باب المستعمرة، تنتهي مهمتهم لتبدأ مهمة فريق آخر؛ حيث يقومون بتقطيع الأوراق إلى أجزاء دقيقة جداً، ويمزجونها بلعابهم لتحويلها إلى سماد عضوي يغذي الفطر. ولا تخلو هذه المزارع من الأعداء؛ إذ تتربص بعض الحشرات بالمحصول، لكن النمل يواجهها ببسالة عبر لدغات محملة بلعاب خاص يقضي على المعتدين، وكل هذه المنظومة المذهلة تدار بحكمة واقتدار تحت إشراف الملكة.
حشرات المَنّ:
أبقار النمل المدللة
تُعد حشرات المَنّ (Aphids) كائناتٍ رقيقة الجسم، تشبه في شكلها ثمرة الكمثرى، ولا يتجاوز طولها ملي مترات معدودة. تعيش هذه الحشرات في تجمعات كبيرة تتغذى على عصارة سيقان النباتات الغضة، وهنا يأتي دور النمل الذي يتخذها بمثابة أبقارٍ ينتظر منها الحليب والعسل! ولا يقتصر الأمر على حشرات المَنّ وحده، بل يسخر النمل كائنات أخرى مثل البق الدقيقي والحشرات القشرية لتعمل كمصادر لإنتاج الرحيق والمواد السكرية لمستعمراته.
يمتلك النمل مهارةً فائقة في إدارة مزارع المَنّ، فهو الذي يختار لها أفضل البقاع على أغصان النباتات؛ فإذا وجد أن النبتة لم يعد بها غذاء كافٍ لمواشيه، قام بنقلها بعناية إلى نبتة أخرى أكثر جودة. والعجيب أن النمل يقوم بـحلب هذه الحشرات عن طريق الضغط الخفيف عليها أو مداعبتها بقرون استشعاره، وفي مقابل هذا العطاء، يقوم النمل بدور الحارس الشخصي، فيحميها من المفترسات والطفيليات، بل إن النمل يفهم إشارات التحذير الكيميائية التي تطلقها حشرات المَنّ ويستجيب لها فوراً.
وفي عالم المصالح هذا، يفرض النمل سيطرته التامة؛ فبينما تفتقر صغار المَنّ للأجنحة، قد تظهر أجنحة لبعضها حين يزداد عددها أو يتدهور حال النبتة لترحل بعيداً، وهنا يتدخل النمل بمنتهى الحزم ويقوم بقضم أجنحتها لمنعها من الهروب! ليس هذا فحسب، بل يفرز النمل مواد كيميائية من غدده تعطل نمو أجنحة هذه الحشرات أصلاً، لضمان بقائها تحت وصايته.
وتشير الدراسات إلى أن النمل يفرز من أرجله مواداً كيميائية لها مفعول السحر في تهدئة حشرات المَنّ وإخضاعها، مما يجعل المستعمرة مصدراً غذائياً دائماً وسهل المنال. ولكن، وراء هذه الرعاية تكمن طبيعة قاسية أحياناً؛ فإذا تكاثرت حشرات المَنّ بشكل يفوق الحاجة، أو إذا شعر النمل بنقص في البروتين، فإنه لا يتردد في التهام بعضٍ من أبقاره ليتغذى عليها!
خامساً: مستعمرات النمل
يتحدث النص القرآني عن وصول نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام إلى مكان يخص النمل، وقد استخدم القرآن تعبير وادي النمل. ولعلك تتساءل: هل يمكن للنمل أن يشغل وادياً بأكمله؟ وهل يتناسب لفظ الوادي مع حشرة بهذا الحجم؟
إن الاكتشافات العلمية الحديثة تجيب على ذلك بدهشة بالغة، مؤكدةً أن للنمل إمبراطوريات شاسعة تمتد لآلاف الكيلومترات. لقد اكتشف العلماء ما يُعرف بـ المستعمرات العملاقة (Super Colonies) في أماكن متفرقة من العالم مثل كاليفورنيا ونيوزيلندا وأوروبا وأستراليا. والمثير للذهول حقاً أن إحدى هذه المستعمرات في أوروبا تمتد على طول 6000 كيلومتر، لتربط بين سواحل البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا في نسيج واحد! تضم هذه المستعمرة المليارات من النمل، وتتكون من ملايين العشوش المتصلة ببعضها البعض في نظام هندسي معجز.
وعند الدخول إلى أعماق هذه المستعمرات، نجد نظاماً معمارياً متكاملاً يشمل المرافق التالية:
● بوابات خاصة للتهوية وتجديد الهواء.
● نظام حراسة صارم لمنع دخول الغرباء.
● أماكن استراحة للعاملات خلال فترات الحر.
● مخازن استراتيجية لحفظ الأطعمة.
● صالات للطعام ومراكز لتجمع الجنود.
● أجنحة ملكية خاصة بالملكة.
● حظائر مخصصة لتربية حشرات المَنّ (المواشي) وإطعامها.
● أماكن مخصصة للحلب، وغرف لفقس البيض ورعاية الصغار.
● مساكن شتوية دافئة، يجاورها غالباً مساحات مخصصة لدفن الموتى.
● ملاذ شتوي خاص للملكة لضمان أمنها واستمرار النسل.
بهذا نكون قد انتهينا من وصف وادي النمل كما كشف عنه العلم الحديث، متوافقاً مع الوصف القرآني البديع.
سادساً: التحذير جاء من أنثى النمل
ثمة دلالة لغوية عميقة في قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ}؛ حيث جاء اللفظ بصيغة المؤنث. وبالتأمل في عالم النمل، نجد أن الإناث هي التي تضطلع بمهام العمل والتدبير؛ فالملكة هي المسؤولة عن وضع البيض والإشراف العام، بينما تقوم الإناث العقيمات بكافة الأعمال الحيوية في المستعمرة. أما الذكور، فمهمتهم تنحصر في التزاوج مع الملكة، وما لبثوا أن يفارقوا الحياة بعدها بوقت قصير؛ لذا كان من الإعجاز أن ينسب القرآن القول والتدبير لمن تملك زمام العمل فعلياً.
سابعاً: أجسادٌ زجاجيةٌ قابلة للتكسر
في التعبير القرآني {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} إشارة علمية مذهلة لتركيبة جسم النملة؛ فالفعل حطم يُستخدم لغةً لما تكسّر وتفتت كزجاج. وقد أثبت العلم الحديث أن الهيكل الخارجي للنمل (Exoskeleton) يتكون من مادة الكيتين الصلبة القاسية التي لا تنثني، بل تتكسر عند الضغط عليها تماماً كالحطام. فسبحان من اختار لفظاً يصف الحالة المجهرية بدقة لا تتأتى إلا لخالقها.
إن كل ما كشفه العلم الحديث بآلاته ومعاييره الدقيقة، يبرهن بوضوح على صدق الحقائق التي ساقها القرآن قبل قرون طويلة. وقد يبقى سؤال يراود البعض: كيف سمع النبي سليمان عليه الصلاة والسلام حديث النملة؟ والإجابة تكمن في أن هذا معجزة إلهية، وهي هبة يختص بها الله تعالى رسله، وتخرج عن نطاق القوانين الكونية المعتادة؛ فمن خلق هذا الكون ونظامه قادرٌ بكل تأكيد على كسر القوانين لمن يشاء من عباده. إن القرآن الكريم ليس كتاب أساطير أو حكايات خيالية، بل هو كلام رب العالمين ومربي الكائنات.
لقد فتحت لنا قصة النمل في القرآن آفاقاً معرفية تعززها الاكتشافات الحديثة يوماً بعد يوم. وإذا تساءل عاقل: كيف لنبيٍّ لم يقرأ الكتب ولم يتلقَّ علوماً مادية أن يأتي بهذه الحقائق الدقيقة؟ فلن يجد جواباً منطقياً إلا أن هذا الكتاب هو وحيٌ من عند الله الخبير البصير.

