يُشير القرآن الكريم إلى الأرض في 461 موضعاً. فما السر وراء هذا الاحتفاء العظيم بكوكبنا في كتابٍ أنزله الخالق لهداية البشر؟ ولماذا كل هذا التعظيم للأرض وهي لا تكاد تُذكر مساحةً أمام عَمَالِقَة الكون مثل المشتري وزحل، أو مقارنةً بالشمس والنجوم الهائلة التي تفوقها حجماً بمراحل؟
نعم، إن الأرض في ميزان الفضاء تبدو متناهية الصغر؛ وبالنسبة إلى جارتها الشمس، نجد أنها تزن 3,33,000 ضعف وزن الأرض، بل إن جوف الشمس يتسع لقرابة 1.3 مليون كوكب بحجم أرضنا! والشمس ليست سوى نجم واحد من بين مليارات النجوم التي تملأ مجرة درب التبانة، والتي تتجاوزها نجوماً أخرى في الوزن والطاقة بمليارات المرات. وإذا علمنا أن الكون يضم مليارات المجرات، تفصل بينها مسافات تُقاس بالسنين الضوئية،
حين نتأمل في هذه الأرقام، قد نشعر للوهلة الأولى بمدى ضآلة الأرض وهوان شأنها. ولكن، إذا نظرنا من زاوية الإنسان، سنجد أن الأرض صرحٌ عظيم وكيانٌ شاسع، بل هي أهم من أي جرمٍ آخر في هذا الفضاء الفسيح. للأرض مكانة استثنائية تفوق بقية الأجرام الكونية؛ فهي تمتد بمحيط يصل إلى 40,000 كيلومتر، ويبلغ قطرها 12,756 كيلومتراً، وتربض في موقعٍ مثالي يبعد عن الشمس بنحو 149,597,890 كيلومتراً.
أمام إنسانٍ لا يتجاوز طوله المتر والنصف، تبدو الأرض وكأنها بساطٌ ممتدٌ لا ينتهي، تماماً كما تبدو كومة هائلة من القش بالنسبة لنملةٍ صغيرة تسعى فوقها.
واللافت للأمر، أن العلم الحديث بكل تقنياته لم يعثر حتى يومنا هذا على أيّ أثرٍ للحياة في غير هذا الكوكب! وهنا يطرح العقل سؤالاً جوهرياً: إذا كانت تلك الكواكب والنجوم تخلو من البشر والحيوان وسائر الأحياء، فما الغاية من وجود هذا الكون العظيم ؟
إنها الآيات والدلائل. لقد وُجد كل ذلك ليكون مرآةً لعقل الإنسان، يرى من خلالها عظمة الخالق الذي أبدع الأرض والنجوم والمجرات. لذا، يكرر الخالق ذكر السماوات والأرض في كتابه المجيد، ليحفز فينا التفكر والبحث.
إن هذا التكرار ليس مجرد إشارة عابرة، بل هو دعوة صريحة لسبر أغوار "علم الجغرافيا" وفهم أسرار كوكبنا. علاوة على ذلك، يضع القرآن بين أيدينا لمحات علمية وحقائق ثمينة عن الأرض سبقت عصرها بقرون. إن ظهور نبيٍ أمي مثل محمد ﷺ، في بيئة صحراوية بسيطة قبل 14 قرناً، وهو يحمل هذه المعارف العميقة التي لم يدركها العلم إلا حديثاً، ليس إلا برهاناً ساطعاً على أن هذا القرآن هو "وحيٌ إلهي" ومنبعٌ رباني لا ريب فيه.
علم الأرض (الجيولوجيا)
يحث القرآن الكريم الإنسان باستمرار على السير في أرجاء الأرض واستكشافها. والغاية الجوهرية من هذا الحث هي دفع البشرية نحو البحث والتنقيب في أصل الخلق ونشأته، وكذلك الاعتبار بمصير الأمم الغابرة التي طغت وعصت.
وفيما يلي جملة من الآيات الكريمة التي تشجع على ارتياد آفاق الأرض:
{ قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِینَ } (النمل: 69)
{ قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ } (الأنعام: 11)
{ قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ } (العنكبوت: 20)
{ قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلُۚ } (الروم: 42)
{ أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبࣱ یَعۡقِلُونَ بِهَاۤ أَوۡ ءَاذَانࣱ یَسۡمَعُونَ بِهَاۖ } (الحج: 46)
إن القرآن الكريم يكرر دعوته للإنسان للانطلاق في رحلات التعلم، والبحث العلمي، والتأمل الاستكشافي بأسلوب بليغ. ويمكننا أن نجد هذا التحفيز الإلهي جلياً في أكثر من أربعة عشر موضعاً من الكتاب الحكيم، مما يؤكد على أهمية السير في الأرض كمنهج للمعرفة والاعتبار.
إن السير فوق سطح الأرض يمنحنا بلا شك مشاهدات تدعم مثل هذه البحوث، ولكن الاكتفاء بالنظر الظاهري قد لا يكون كافياً دائماً لفك كل الأسرار. فالبحث الحقيقي يتطلب أحياناً الغوص في أعماق الأرض، واستخراج الأحافير (المتحجرات) المخبأة في باطنها. ومع تطور علوم الجيولوجيا وعلم الأحافير، بدأت تتكشف لنا حقائق تاريخية كانت طي الكتمان.
وإذا أمعنا النظر في الدقة البيانية للقرآن الكريم، نجد ملحظاً لغوياً عجيباً؛ فعندما تحدث القرآن عن المشي العادي في سورة الفرقان، استخدم تعبير على الأرض (أي فوق سطحها). لكنه حين حثَّ على البحث في أصل الخلق ودراسة أحوال الأمم السابقة، استخدم تعبير في الأرض. ومن الناحية اللغوية، فإن حرف الجر في يوحي بالظرفية والعمق، أي في باطن الأرض أو داخلها.
هذا التغلغل في أعماق التربة هو الذي مكننا من اكتشاف الآثار والبقايا التي تروي لنا قصص عاد وثمود، وتكشف لنا عن مصيرهم الغابر. واليوم، نجد أن أضخم الأبحاث العلمية المتعلقة بنشأة الكون كتلك التي تجرى على الحدود السويسرية الفرنسية لا تُقام على سطح الأرض البارز، بل تُجرى في مختبرات عملاقة في أعماق باطن الأرض. وهذا يؤكد أن مفاتيح المعرفة الكبرى غالباً ما تكون مخبوءة في الداخل، وليست مجرد قشور على السطح.
الأرضون السبع
كم عدد الأراضين في هذا الكون الفسيح؟ لم يحدد القرآن الكريم عدداً صريحاً ومباشراً لها في آية واحدة، إلا أن السنة النبوية المطهرة أكدت في مواضع شتى أن عددها سبع. ومن ذلك ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهما من المحدثين: "من ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين". عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَن ظلَمَ من الأرض قيدَ شبر طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين »، كما ثبت في دعاء النبي ﷺ مناجاته لربه بعبارة "رب الأرضين السبع"، عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه أصابه أرق فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن نمت ، (قل) : اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ، ورب الأرضين السبع وما أقلت ، ورب الشياطين وما أضلت ،وهو حديث أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم وغيرهم. وفي التنزيل الحكيم قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰتࣲ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّ} (الطلاق: 12)؛ حيث أجمع المفسرون على أن القصد بمثلهن هو العدد، أي سبع أراضين كالسموات السبع.
وهنا يبرز سؤال جوهري: أين توجد هذه الأرضون السبع؟ يذهب البعض إلى أن المقصود بها القارات السبع المعروفة، إذ يمكن إطلاق اسم "أرض" على كل قارة منها. لكن ثمة وجهة نظر علمية وتفسيرية أخرى ترى أن الأرض التي نعيش عليها مكونة من سبع طبقات جيولوجية متراكبة، يمكن تصنيفها كالتالي:
● الغلاف الصخري المائي
● الغلاف الصخري اليابسة
● الغلاف المورق
● الوشاح العلوي
● الوشاح السفلي
● اللب الخارجي
● اللب الداخلي
فهل هذه الطبقات السبع هي المقصودة بالأرضين السبع؟ أم أن هناك ستة كواكب أخرى غير أرضنا تتمتع بخصائص تسمح بوجود الحياة عليها؟ لقد طالعتنا الأنباء مؤخراً باكتشاف كواكب شبيهة بالأرض خارج مجموعتنا الشمسية. ومن المثير للتأمل ما ورد في بعض الأحاديث أن المسافة بين أرض وأخرى تقدر بمسيرة خمسمائة عام، دون تحديد وسيلة السفر؛ هل هي مشياً، أم بسرعة الطيران، أم بسرعة الضوء؟ فإذا صح هذا الأثر، فإنه يفتح آفاقاً واسعة للبحث العلمي المستقبلي في استكشاف عوالم وأراضٍ جديدة.
الأرضون السبع وسكانها
في تفسير الآية التي تشير إلى الأرضين السبع، نُقِل عن ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) قال سَبْعُ أَرَضِينَ في كلِّ أرضٍ نَبِيٌّ كنبيِّكم, وآدمُ كآدَمِكم, ونوحٌ كنوحٍ, وإبراهيمُ كإبراهيمَ, وعيسى كعيسى
ولكن، هل هذا الأثر صحيح من حيث السند؟ لقد ذكر الإمام الحاكم والإمام الذهبي أن هذا الأثر نُقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسند صحيح، إلا أنه لم يرد مرفوعاً إلى النبي ﷺ. لذا، يرى بعض العلماء احتمال أن يكون ابن عباس قد استقاه من مرويات بني إسرائيل (الإسرائيليات)، وقد وجهنا النبي ﷺ بقوله: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وفي المقابل، ذهب أبو حيان الأندلسي إلى التشكيك في صحة هذا الأثر تماماً واعتبره موضوعاً.
أما الإمام الآلوسي، فله وجهة نظر مغايرة، حيث يرى أنه لا يوجد مانع شرعي أو عقلي يمنع قبول هذا المعنى. فكما أن للبشر على هذه الأرض بداية متمثلة في آدم عليه السلام، فقد يكون لسكان الأرضين الأخرى بدايات مماثلة. ويرى أن المقصود قد يكون وجود شخصيات مصطفاة في كل أرض كما اصطفى الله الأنبياء في أرضنا، ليكونوا قدوةً لأقوامهم.
فكما نؤمن نحن بآدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام، قد يكون سكان تلك العوالم مأمورين بالإيمان بذات الرسل والرسالات. وهنا يطرح التساؤل نفسه: مَن الذي يبلغهم تلك الرسالة؟ نحن لا نعلم بنبيٍّ من البشر ذهب إلى كواكب أخرى، ولكن لا يمكن استبعاد دور "الجن" في التبليغ؛ فالمعروف شرعاً أن الجن مُنِعوا من صعود السموات بعد بعثة النبي ﷺ، لكن لم يرد ما يفيد منعهم من الانتقال بين الأراضين. وبناءً على قدراتهم، يمكنهم نقل رسالة الإسلام إلى تلك العوالم بيسر.
إذا ما تم اكتشاف هذه الأراضي المأهولة مستقبلاً، فإن التطور التقني والاتصالات عبر الأقمار الصناعية قد يفتح باباً للدعوة المباشرة هناك. إن هذه الأفكار تكتسب أهمية كبرى في عصرنا الراهن مع توسع الأبحاث في علم الأحياء الفلكي والبحث عن حياة خارج كوكب الأرض.

