تحتل النخلة مكانة سامية في القرآن الكريم، فهي الشجرة التي تفيض بالرموز والمعاني. وقد ورد ذكرها بمسمياتها المختلفة مثل نخل، نخيل، نخلة عشرين مرة في كتاب الله؛ منها ثماني مرات انفردت فيها بالذكر، واثنتا عشرة مرة اقترن ذكرها بفاكهتي الرمان والعنب. ورغم تنوع الأشجار المثمرة التي ذكرها القرآن، تظل النخلة هي الأكثر ذكرًا، يليها العنب.
أما من الناحية العلمية، فتُعرف النخلة باسمها اللاتيني (Phoenix dactylifera)، وهي تنتمي إلى الفصيلة الفوفلية (الأركية). ولنتأمل معًا بعض الآيات التي خلدت ذكر هذه الشجرة المباركة:
أولاً
في سورة البقرة (الآية 266)
قال تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الحثّ على الإنفاق مما رزق الله تعالى، حيث ترسم لنا صورةً بليغةً تلخص حقيقة الدنيا الزائلة وتقلبات أحوالها. إنها تؤكد بوضوح أن مآل الأمور كلها بيد الخالق سبحانه وتعالى، وتوجه تحذيراً للإنسان بأن كل ما يملكه ويفتخر به من حطام الدنيا قد يزول في لمح البصر بمشيئة الله، لتظل الهيمنة والقدرة له وحده عز وجل.
ثانيًا
في سورة الأنعام (الآية 99)
قال تعالى: وَهُو الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
تأتي هذه الآية في سياق عرض نِعَم الله التي لا تُعد ولا تُحصى على بني البشر، دعوةً لهم لتدبّر آياته الكونية كي يكونوا عباداً خاشعين مخلصين له. وقد استعرض النص القرآني هنا ثمار النخيل، والأعناب، والزيتون، والرمان، وصوّرها في غاية الجمال والإبداع مع بيان تنوعها وأصنافها المختلفة.
ثالثاً
في سورة الرعد (الآية 4)
قال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
في هذه الآية الكريمة، يستمر البيان الإلهي في استعراض نعم الله ودلائل قدرته، ليؤكد للإنسان وجود الخالق ووحدانيته.
ومن الملاحظ هنا تغير الخاتمة؛ فبينما انتهت الآية السابقة في سورة الأنعام بقوله لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، نجدها هنا تنتهي بقوله لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. فما السر وراء هذا الاختلاف؟
لعل السبب يكمن في سياق الآيات؛ فقبل هذه الآية مباشرة، تحدث القرآن عن بسط الأرض، وإرساء الجبال، وتعاقب الليل والنهار، والزوجية في الثمار، ثم انتقل إلى التنوع العجيب في المحاصيل الزراعية. ولما كانت هذه الظواهر الكونية والزراعية تتطلب إعمالاً دقيقاً للفكر وتفكراً عميقاً في قوانين الطبيعة، جاء الختام بذكر العقل يعقلون ليحث الإنسان على استخدام بصيرته وربط الأسباب بمسبباتها.
لفتة بلاغية في التقديم والتأخير
نلاحظ في هذه الآية أن ذكر الأعناب جاء قبل النخيل، وهو ما تكرر أيضاً في سورتي عبس والكهف، بينما نجد العكس في بقية مواضع القرآن الكريم حيث يُقدَّم النخيل دائماً. فهل هناك حكمة من هذا التغيير؟
من المعلوم أن النخلة تتفوق على الكرمة (شجرة العنب) في الأهمية والمكانة، فهي الشجرة الأكثر شموخاً وعطاءً، وكل أجزائها نافعة للإنسان. ولكن في هذه الآية تحديداً، السياق يتحدث عن القطع المتجاورات أي الأراضي المتلاصقة، وفي مسألة التلاصق والتشابك الزراعي، تظهر كروم العنب أكثر تداخلاً وتقارباً من النخيل، لذا قُدمت لمناسبة السياق.
وحتى داخل وصف النخيل نفسه، بدأ بذكر صِنْوَانٌ وهي النخيلات التي تخرج من أصل واحد وتتشابك جذوعها قبل غَيْرُ صِنْوَانٍ، والسر في ذلك هو تعزيز فكرة التقارب والتجاور التي هي محور الآية. فسبحان من أحكم آياته وفصّلها بكل دقة.
رابعاً
{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29)} [سورة عبس]
في هذه الآيات الكريمات، لا يقتصر السياق على ذكر الزراعة كعملية فحسب، بل يتمحور حول الطعام الذي يتناوله الإنسان. لذا نجد أن البيان الإلهي قدّم ذكر المحاصيل التي تُؤكل مباشرة، مراعياً في ذلك ترتيب الأهمية والوفرة؛ فبدأ أولاً بالحبوب التي هي عماد الغذاء، ثُمَّ أتبعها بالفواكه ممثلة في العنب، ثم جاء ذكر الخضروات القضب التي تُؤكل طازجة.
خامساً
{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [سورة الكهف]
تأتي هذه الآية في سورة الكهف لتروي قصة رجل أنعم الله تعالى عليه بجنتين وارفة بستانهما من الأعناب، تُحيط بهما أشجار النخيل كالسياج الشامخ، وفي الفراغات البينية كانت تنمو الزروع والمحاصيل الأخرى مستفيدة من ذات التربة والري.
كان هذا المشهد يمثل قمة الرخاء والنماء، لكن صاحبها لم يقابل النعمة بالشكر، بل ركبه الغرور والصلف، زاعماً أن هذا الملك لن يبيد أبداً، ومنكراً ليوم القيامة. بل تمادى في طغيانه قائلاً لصاحبه: إنه حتى لو فُرض وجود معاد، فإن ربه سيعطيه هناك خيراً مما أعطاه هنا.
ولم تدم هذه الغطرسة طويلاً؛ إذ نزلت عقوبة الله تعالى بساحته، فدُمرت الجنتان في ليلة وضحاها، وانهارت العروش وتساقطت الكروم.
والسر البلاغي في تقديم العنب على النخيل هنا واضح وجلي؛ إذ كان العنب هو المحصول الأساسي والقوام الرئيسي لثروته، بينما كان النخيل مجرد سياج خارجي يحميها. أما الزروع الأخرى فجاءت في ذيل القائمة لأنها كانت ثانوية أي تنمو تبعاً للمحاصيل الرئيسية.
يا لدقة النظم القرآني وإعجاز ترتيبه!
إن هذا النسق البديع في ذكر النخيل والعنب يتكرر دائماً في مواضع الامتنان بآلاء الله تعالى، كما نجد ذلك في سور: يس، والنحل، والمؤمنون، والأنعام، وق.
سادساً
في سورة يس {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ}.
سابعاً
في سورة النحل {يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ...}.
ثامناً
أيضا في سورة النحل: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا...}.
تاسعاً
في سورة المؤمنون: {فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}.
عاشراً
في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ...}
حادي عشر
في سورة ق: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ}.
في سائر هذه المواضع، تأتي الآيات في سياق تذكير البشرية بنعم الله تعالى التي لا تُحصى، حيث تُعرض هذه الثمار كأدلة وبراهين ساطعة تفتح البصيرة على عظمة المبدع سبحانه.
مفارقة عجيبة في سورة الإسراء. أما في سورة الإسراء، فإن المشهد يختلف تماماً. فعندما دعا النبي ﷺ مشركي مكة إلى الحق وأقام عليهم الحجج، لم يقابلوا دعوته بالإيمان، بل لجأوا إلى التعنت وطرح مطالب تعجيزية وجدال عقيم للتهرب من الحقيقة.
اشترطوا للإيمان به أن يحوز مظاهر مادية باهرة تخطف الأبصار؛ فطالبوه ببيت من زخرف (ذهب)، أو سُلّم يرتقي به إلى السماء، أو أن تفجر له الأنهار فجراً، وبالطبع.. أن تكون له جنات وارفة من النخيل والعنب.
لم يكن طلبهم هنا طلباً للهداية، بل كان نوعاً من التحدي والاستعلاء، وهو ما يبرز الفرق بين الآيات التي تسوق النعم للامتنان، وبين سياق حكاية تعنت البشر ومطالبهم المادية.
الثانية عشرة: التحدي بالمعجزات
يقول الله تعالى: {وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَعِنَبٍۢ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا} (الإسراء: 90-91).
تُبرز هذه الآيات تعنت المشركين في مطالبهم؛ حيث اشترطوا للإيمان بمحمد ﷺ أن يُجري لهم الينابيع من الأرض القاحلة، أو أن يمتلك بستاناً غنياً بالنخيل والأعناب تتفجر الأنهار من بين أشجاره في مشهدٍ مذهل.
الثالثة عشرة: مريم وابتعاث الأمل
وفي سياقٍ آخر، ينقلنا القرآن الكريم إلى سورة مريم، ليصور لنا الصراع النفسي العميق الذي عاشته السيدة مريم عليها السلام في لحظات مخاضها: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا} (مريم: 23).
كانت مريم العذراء التي لم يمسسها بشر قد حملت بكلمة من الله، وحين دنت لحظة الولادة، اعتصرها الألم والحياء من مواجهة الناس، فالتجأت إلى جذع نخلة، وتمنت من شدة الكرب لو أنها فارقت الحياة قبل هذا اليوم واندثر ذكرها.
الرابعة عشرة: إعجاز الجذع اليابس
من اللطائف القرآنية هنا ذكر جذع النخلة؛ فلم يكن شجراً مثمراً يانعاً، بل كان -كما تشير الدلالات جذعاً يابساً بلا رأس أو ثمر. ومع ذلك، جاء الأمر الإلهي: {وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} (مريم: 25).
لقد كان في هز الجذع حكمة بالغة؛ فهي دعوة للحركة والعمل رغم الضعف، وإشارة إلى فوائد الرطب للمرأة النفساء. ومن خلال تحويل الجذع اليابس إلى مصدر للرطب الجني، طمأن الله قلب مريم بأن الذي أخرج الثمر من الخشب الميت، قادرٌ على إيجاد الولد من عذراء بلا أب.
الخامسة عشرة: صمود المؤمنين ووعيد فرعون
ننتقل إلى سورة طه، حيث نجد النخل حاضراً في مشهد المواجهة بين موسى عليه السلام وفرعون. فحين آمن السحرة بعد أن رأوا عصا موسى تلقف ما صنعوا، استشاط فرعون غضباً وتوعدهم قائلاً: {قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ...} (طه: 71).
يلاحظ المفسرون استخدامه لحرف الجر في بدلاً من على، ليدل على شدة التنكيل والربط المحكم، وكأن أجسادهم ستغوص وتلتصق بداخل جذوع النخل من قسوة الصلب.
السادسة عشرة: نداء هود لقومه
وفي سورة الشعراء، نجد نبي الله هوداً عليه السلام يذكّر قومه بنعم الله، محذراً إياهم من الاغترار بالاستقرار الزائل: {أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـٰهُنَآ ءَامِنِينَ * فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ * وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} (الشعراء: 146-148).
لقد سألهم: هل تظنون أنكم ستخلدون في هذا النعيم، بين البساتين والنخيل التي أثقلتها العذوق اليانعة واللطيفة؟ إنها دعوة لشكر المنعم قبل فوات الأوان.
السابعة عشرة والثامنة عشرة: عاقبة المكذبين
أما في سورتي الحاقة والقمر، فيصور الله لنا مصير قوم عاد الذين كذبوا، فجاءهم الإعصار الصرصر ليهلكهم: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} (الحاقة: 7). وفي آية أخرى: {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ} (القمر: 20).
لقد شبههم القرآن بجذوع النخل المقتلعة من جذورها والبالية من الداخل، تعبيراً عن شدة الهلاك وهوانهم على الله بعد كبريائهم.
التاسعة عشرة والعشرون: نخل الجنة
ينقلنا القرآن إلى نعيم الجنة في سورة الرحمن، حيث النخيل هناك مختلف تماماً: {فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ} (الرحمن: 11). وآية أخرى تصف جنات الفردوس: {فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌۭ وَنَخْلٌۭ وَرُمَّانٌۭ} (الرحمن: 68). فهي أشجار مباركة تحمل ثمارها في أوعية صائنة لها، لتكون جزاءً للمؤمنين في دار الخلد.
لماذا في القرآن الكريم؟
لماذا تكرر ذكر النخلة في القرآن الكريم بكل هذه الحفاوة؟ للإجابة على ذلك، لا بد من الغوص في أعماق تاريخها، ومعرفة قيمتها الغذائية والطبية، واستكشاف فوائدها التي لا تحصى. دعونا نتعرف عن قرب من هذا الكيان المبارك.
تاريخ النخلة
بدأت قصة استزراع النخيل قبل نحو ثمانية آلاف عام في بلاد الرافدين (ميسوبوتاميا)، وهي واحدة من أقدم الزراعات التي عرفتها البشرية على الإطلاق. تُعرف النخلة علمياً باسم فينيكس داكتيليفيرا (Phoenix dactylifera)، ويحمل اسم فينيكس دلالات ضاربة في القدم؛ فهو يشير إلى طائر الفينيق الأسطوري الذي قيل إنه يعيش ستمائة عام، وعندما يحترق يخرج من رماده طائر جديد مفعم بالحياة. وقد ربطت الأساطير القديمة بين خلود هذا الطائر وقوة صمود النخلة في صحاري الجزيرة العربية، حيث نُسجت حولهما قصص وحكايات شائقة.
لم تقتصر شهرة النخلة وثمارها على الأدب العربي القديم والحديث فحسب، بل امتدت لتشمل آداب أفريقيا وأوروبا. فلم يغفل كبار الشعراء والكتاب العالميين عن ذكرها في أعمالهم، بدءاً من هوميروس ووصولاً إلى تشوسر و شكسبير؛ مما يعكس مكانتها الرمزية والجمالية في الوجدان الإنساني العالمي.
تتصدر دول مثل العراق، والمملكة العربية السعودية، وإيران، ومصر، قائمة الدول الأكثر إنتاجاً للتمور. وتجود الأرض بإنتاج وفير؛ حيث تعطي النخلة الواحدة في السعودية ما بين 70 إلى 90 كيلوغراماً من التمر، بينما يصل هذا الإنتاج في مصر إلى نحو 125 كيلوغراماً.
ولم تعد زراعة النخيل محصورة في منطقتنا العربية، بل انتقلت بأساليب علمية إلى ولايتي أريزونا وكاليفورنيا في الولايات المتحدة، وإلى مناطق في غوجارات والبنجاب. ونظراً لأن حجم التجارة العالمية للتمور يصل إلى نصف مليون طن سنوياً، وتكريماً لهذه الشجرة المباركة، أُسس في عام 1978 المركز الإقليمي لبحوث النخيل والتمور في بغداد ليكون منارة لتطوير هذه الثروة الوطنية.
طبيعة نخلة التمر
يصل متوسط عمر نخلة التمر إلى مائتي عام، وتكون ذروة عطائها وإنتاجها وفيرة خلال مائة عام الأولى. يتراوح ارتفاعها ما بين 50 إلى 80 قدماً، وبالرغم من أنها لا تمتلك أغصاناً في الغالب، إلا أن هناك أنواعاً نادرة تتفرع منها الأغصان. وتمتاز جذورها بطولها وامتدادها العرضي، رغم أنها لا تغوص عميقاً في التربة لأكثر من خمسة أقدام. وتنتشر في المناطق الاستوائية بآسيا وأفريقيا أكثر من ستين نوعاً من النخيل، وهي شجرة ثنائية المسكن؛ أي أن هناك أشجاراً ذكرية وأخرى أنثوية، ولا يمكن للنخلة الأنثى أن تثمر عادةً ما لم تكن هناك نخلة ذكرية قريبة منها لعملية التلقيح.
المكونات الغذائية
التمر ليس مجرد فاكهة، بل هو غذاء متكامل غني بالعناصر الحيوية؛ فهو يحتوي على البروتينات، والكربوهيدرات، والتانين، والسليلوز، والنشا، والدهون بنسب متفاوتة. كما يزخر بالمعادن الأساسية مثل الحديد، والصوديوم، والكالسيوم، والكبريت، والكلور، والفسفور، بالإضافة إلى وفرة فيتامينات (أ، ب، ج). ويحتوي التمر على سكر الجلوكوز بنسبة 60%، مع كمية ضئيلة من سكر القصب. وقد كان النبي ﷺ يوصي بتناوله في الفطور والعشاء، وكان يحب الزبد والتمر ويأكلهما معاً كوجبة غذائية مثالية.
القيمة الطبية والعلاجية
إلى جانب كونه غذاءً شهياً، يُعد التمر دواءً فعالاً؛ فهو مفيد لضيق التنفس وبشكل خاص لمرضى الربو. كما يمتلك قدرة فائقة على تحييد السموم التي تسبب الجراثيم في المعدة؛ ولعل هذا ما يفسر توجيه النبي ﷺ ببدء الإفطار في رمضان بالتمر. وهو خير معين للمرأة الحامل، كما أرشد القرآن السيدة مريم عليها السلام. ويساعد التمر في تخفيف الحكة الجلدية، وتقوية الذاكرة، وتنشيط عضلة القلب، كما يعالج بعض مشاكل المسالك البولية. ومن العادات القديمة استخدام مسحوق التمر الجاف كمرهم لعلاج التهابات قرنية العين.
الاستخدامات المتعددة
شبه النبي ﷺ المؤمن بالنخلة؛ فكما أن المؤمن نافع في كل أحواله، فإن النخلة شجرة لا يُهدر منها شيء. فكل جزء فيها يقدم خدمة للبشرية. وتقول العرب قديماً إن فوائد النخلة بعدد أيام السنة؛ فجذعها يستخدم في البناء، وسعفها لصناعة الحصير والحبال والمراوح اليدوية، ونواها المطحون يُعد علفاً ممتازاً للماشية، وحتى عصير النخلة يُستخرج منه السكر في بعض المناطق كالهند. ومن هنا، يرى المفسرون أن القرآن في سورة يس استخدم لفظ نخيل بدلاً من تمر ليشمل الشجرة بكل بركاتها ومنفعتها الشاملة.
إعجاز النواة في القرآن
ارتبطت النخلة بحياة الإنسان ارتباطاً وثيقاً، لذا نجد القرآن الكريم لم يغفل حتى عن أدق تفاصيل نواتها لضرب الأمثال. فقد ذكر القرآن القطمير وهي القشرة الرقيقة التي تغلف النواة، وذكر الفتيل وهو الخيط الرفيع الموجود في شق النواة، وذكر النقير وهي النقطة الصغيرة جداً على ظهر النواة التي يبدأ منها الإنبات.
إن هذا الكتاب الذي يتحدث عن اتساع الكون وعظمة الخلق، لا يترك هذه التفاصيل المتناهية الصغر دون ذكر، مما يجعله بحق كتاباً معجزاً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

