نستكمل تأملاتنا في الآيات التي تحدثت عن النحل في القرآن الكريم، وتحديداً في قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69].
لقد اعتدنا على تفسير الشراب هنا بأنه العسل، وهو صحيح بلا شك، وقد ذكرنا سابقاً تنوع ألوانه وفوائده العظيمة. ولكن، ثمة لفتة بيانية مذهلة؛ فلماذا استخدم القرآن كلمة شراب بصيغة التنكير والعموم ولم يقل عسل؟ هل توجد سوائل أخرى تخرج من جوف النحلة غير العسل؟ وهل لها قيمة علاجية وتنوع في الألوان؟
الإجابة هي: نعم، وبشكل مذهل!
يشرح الدكتور زغلول النجار في كتابه من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أن كلمة بطون جمع بطلن لا تعني المعدة فقط، بل تشمل كل الأجزاء الداخلية للنحلة، وقد وجد العلم أن بطن النحلة يتكون من 9 طبقات مرنة.
ويؤكد أن هناك أشربة وسوائل متعددة تخرج من جوف النحلة وتكون في أصلها سائلة ثم قد تتصلب لاحقاً، وكلها تندرج تحت وصف الشراب ولها فوائد طبية هائلة، منها: الغذاء الملكي، شمع النحل، سم النحل، خبز النحل، وصمغ النحل (البروبوليس).
الغذاء الملكي (Royal Jelly)
هو إفراز خاص تنتجه النحلات العاملات لتغذية يرقات الملكة. وهو مادة هلامية تميل إلى اللون الأصفر الشاحب، وتتميز بقيمتها الغذائية الفائقة. وبسبب هذا الغذاء وحده، تصبح الملكة أضخم من النحلة العادية بـ 1800 مرة، وتعيش عمراً أطول بآلاف المرات، كما تضع أكثر من مليونَي بيضة خلال دورة حياتها.
الفوائد العلاجية للغذاء الملكي: أثبتت الدراسات السريرية والمختبرية قائمة طويلة من المنافع الطبية لهذا الشراب:
١) مضاد حيوي طبيعي: يحتوي على تركيزات عالية من المضادات الحيوية التي تعالج الأمراض الجلدية والالتهابات.
٢) علاج الروماتيزم والتهاب المفاصل: يساعد بفعالية في تخفيف آلام المفاصل.
٣) مقاومة السرطان: يساهم في الوقاية من سرطانات الدم (اللويكيميا) وغيرها.
٤) تعزيز الحيوية: يحسن القدرات البدنية والذهنية، وينشط عمل الغدد التناسلية.
٥) صحة القلب والدماغ: يزيد من تدفق الأكسجين إلى الدماغ والقلب والكبد، مما يقوي الذاكرة والقدرة على التحمل.
٦) علاج الاضطرابات العصبية: يساعد في حالات التشنجات، وتصلب الشرايين الدماغية، والرعشة، والربو العصبي.
٨) خفض الكوليسترول الضار: مما يقي من أمراض القلب والأوعية الدموية.
٩) دعم المناعة: يقوي جهاز المناعة بشكل عام لمواجهة الأمراض المزمنة.
١٠) صحة العيون: يستخدم كمرهم لعلاج التهابات العين والحروق ومشاكل القرنية.
طريقة الاستخدام: يُنصح عادة بتناول ما بين 50 إلى 400 ملجم قبل الأكل، إما بشكل مباشر أو بخلطه مع العسل (بنسبة 1 إلى 100، أي ملعقة صغيرة من الخليط). كما يتوفر الآن في الصيدليات بأشكال متعددة مثل الأقراص، والكبسولات، والمواد المجففة.
شمع النحل (Beeswax)
مادة براقة تشبه الشمع، بيضاء اللون في أصلها، ذات تركيب كيميائي معقد. تفرزها ثماني غدد خاصة في بطون الشغالات كعصارة سائلة تجف فور تعرضها للهواء. تجمع الشغالات هذا الشمع لتبني به هيكل الخلية، وصناعة الغرف المحكمة لتخزين العسل، وحماية اليرقات في مهدها.
الفوائد الطبية: يساعد مضغ قطع صغيرة من الشمع على تنظيف الأنف والمجاري التنفسية والرئتين، ويخفف من حدة أعراض الأنفلونزا والحساسية الناتجة عن العدوى.
مكافحة حمى القش: يُنصح بمضغ قطعة صغيرة يومياً قبل شهر من موسم الحساسية للوقاية. وفي الحالات الشديدة، يمكن مزج ملعقتين من العسل مع خل التفاح في ماء دافئ وتناوله قبل الفطور وقبل النوم لنتائج أفضل.
صمغ النحل أو البروبوليس (Propolis)
مادة صمغية راتنجية يصنعها النحل من سوائل الأشجار ويمزجها بلعابه وشمع الخاص. يستخدمها النحل كسداد محكم للمنافذ الصغيرة في الخلية لحمايتها، بينما يستخدم الشمع للفتحات الكبيرة. تتفاوت ألوانه بتفاوت مصادره النباتية.
الفوائد: أثبتت الدراسات المختبرية أنه مضاد ميكروبي جبار يحارب البكتيريا والفطريات والفيروسات. كما يعالج أمراض الجهاز التنفسي، وآلام المفاصل، ومشاكل العظام، والأمراض الجلدية، ويقوي المناعة ويمنع تسوس الأسنان.
سم النحل (Bee Venom)
سلاح النحل الدفاعي، وهو سائل شفاف مرّ الطعم وذو رائحة نفاذة، يجف سريعاً في الهواء. يحتوي على بروتينات وأحماض و155 إنزيماً وعنصراً حيوياً.
القيمة العلاجية: يعمل كمضاد للالتهابات ومسكن للآلام. يستخدم بفعالية لعلاج آلام المفاصل عرق النسا وآلام الظهر، والصداع النصفي الميجرين، والأمراض الجلدية المستعصية مثل الصدفية والإكزيما، بالإضافة إلى علاج بعض التهابات العيون ومشاكل الغدة الدرقية.
خبز النحل (Bee Bread)
هو كرات من حبوب اللقاح تجمعها الشغالات وتمزجها بالعسل واللعاب وتخزنها في نخر الخلية لتكون المصدر الرئيسي للغذاء. يزخر بالسكريات البسيطة، والبروتينات، والفيتامينات، والأحماض الدهنية.
الفوائد: يعالج التهاب الأنف التحسسي والربو، ويقلل من آثار التعرض للإشعاع، ويعالج مشاكل البروستاتا. كما يخفف من أعراض انقطاع الطمث كالتوتر والصداع، ويدخل في صناعة مستحضرات التجميل لفوائده المذهلة للبشرة.
معجزة الوحي وحقائق العلم
إن التركيب الكيميائي المعقد للغذاء الملكي، والشمع، والصمغ، والسم، لا يزال يدهش العلم الحديث؛ فهي سوائل ثمينة تعجز أرقى المصانع البشرية عن محاكاتها بدقة. حتى القرن التاسع عشر، لم يكن لدى العلم تصور واضح عن القيمة العلاجية لهذه الإفرازات غير العسل، ولهذا لم نجد ذكراً مفصلاً لها في التفاسير القديمة، لأن العلم بها استلزم قروناً من البحث.
السؤال هنا: كيف لرسولٍ أميّ ﷺ في قلب الصحراء قبل 14 قرناً أن يشير بكلمة واحدة بطونها و شراب إلى كل هذه الكنوز العلاجية المتنوعة؟
إن هذا القرآن هو الحق الصمد، وأنت يا رسول الله حقاً رسول الله، أرسلك بالهدى ودين الحق. لقد صدق الله العظيم إذ يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحقُّ} [فصلت: 53].

