تتجلّى معجزاتُ الخالق في سورة النحل، وتحديداً في الآيتين 68 و69، حيث كشفت الدراسات العلمية الحديثة وأبحاث المفسرين عن أسرار مذهلة تضمنتها هذه الكلمات الربانية. إن هذه الآيات تحمل في طياتها معارف لم يكن للبشر سبيل لإدراكها في بيئة الجزيرة العربية قبل 14 قرناً بوسائل مادية، ناهيك عن الإعجاز اللغوي، والدقة الحسابية، والدروس الاجتماعية والروحية العميقة.
إن ظهور مثل هذه الحقائق العلمية الدقيقة عن عالم الحيوان والتي لم يتوصل إليها العلم إلا في القرن التاسع عشر على لسان رجلٍ لم يرتدِ المدارس قط، ونشأ في بيئة صحراوية بعيدة عن أبجديات العلوم الطبيعية وفي مجتمع سادته الجاهلية، هو دليل قاطع على أنّ هذا الكلام ليس من صنع البشر. ففي سنّ الأربعين، نزل من الغار حاملاً دستوراً يمزج بين بلاغة البيان، ودقة العلم، والسمو الروحي الذي يهذب النفس البشرية، مما يؤكد أن مصدر هذا الوحي هو الخالق عز وجل.
وقبل أن نتفحص الدلالات القرآنية، لا بدّ من استعراض بعض الحقائق الأساسية عن النحل.
ذلك الكائن الذي يجمع الرحيق من الأزهار والثمار ليصنع منه عسلاً طيب المذاق وشفاءً للناس. ولا يكتفي النحل بجمع الرحيق، بل يجمع حبوب اللقاح أيضاً، ويخزن هذا الكنز في خلايا شمعية هندسية بديعة. وتعد المناطق الاستوائية في شرق آسيا الموطن الأصلي لهذه الكائنات الحية.
ومن عجائب هذا العالم، نحل الهيمالايا الذي يعد الأكبر في العالم، حيث يصل طول النحلة الواحدة إلى 3 سنتيمترات (1.2 بوصة). وتعيش هذه النحل في جبال الهيمالايا على ارتفاعات شاهقة تتراوح بين 2,500 و3,000 متر، وتنتج الخلية الواحدة منها ما يقارب 60 كيلوغراماً من العسل.
أما النحل البري الكبير، فيبني بيوته عادةً في أعماق الغابات على الأشجار العالية أو بين الصخور، وفي مواسم العسل، يمكن رؤيتها فوق المباني العالية وتحت الجسور وفي الأشجار الضخمة داخل المناطق السكنية.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
قد يتساءل البعض: أين يكمن الإعجاز في هذه الكلمات؟ إن المتأمل في هذه الآيات سيجد أسراراً لغوية وعلمية مدهشة، وسنبحر الآن في تفاصيل هذه العجائب:
أولاً: تشير هذه الآية الكريمة إلى أن إناث النحل هي المسؤولة عن بناء الخلايا وجمع الغذاء.
ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا... ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا}.
ومن المعروف في لغة العرب أن كلمة نحل قد تُطلق على الذكر والأنثى، ولكن عند تخصيص الخطاب للأنثى، تُضاف لواحق لغوية معينة. فبدلاً من صيغ المذكر اتَّخِذ، كُل، اسْلُك، استخدم القرآن صيغ المؤنث بزيادة ياء المخاطبة اتَّخِذِي، كُلِي، اسْلُكِي. وهذا التخصيص الدقيق يؤكد أن الخطاب موجه لإناث النحل دون ذكورها.
إن حقيقة قيام إناث النحل بمهمة البناء وجمع الرحيق تُعد معرفة حديثة نسبياً في العلم التجريبي. ففي الأدبيات القديمة، ساد الاعتقاد بأن ذكور النحل هي المسيطرة على الخلية، ولم يكن مصطلح الملكة معروفاً، بل كانوا يتحدثون عن ملك النحل.
هذا التصور نده لدى فلاسفة وأدباء كبار من أرسطو وصولاً إلى شكسبير. وشكسبير، الذي كان مربياً بارعاً للنحل، صوّر حياة النحل في قصائده بجمالية فائقة، لكنه لم يدرك أن الملكة هي التي تقود الخلية وليس الملك.
يقول شكسبير في المقطع الشهير من مسرحية (هنري الخامس، الفصل الأول، المشهد الثاني):
'So work the honey bees;
Creatures, that, by a rule of nature, teach
The act of order to a peopled kingdom.
They have a king, and officers of sorts :
Where some , like magistrates, correct at home ;Others, like merchants, venture trade abroad ; Others, like soldiers, armed in their stings,
Make boot upon the summer's velvet buds
Which pillage they with merry march bring home
To the tent-royal of their emperor :
Who, busied in his majesty, surveys
The singing masons building roofs of gold
The civil citizens kneading up the honey ;
The poor mechanic porters crowding in
Their heavy burdens at his narrow gate ;
The sad-ey'd justice, with his surly hum,
Delivering o'er to executors pale
The lazy yawning drone.'
هكذا تعمل نحلات العسل؛ تلك الكائنات التي تُعلم البشر بنواميس فطرتها فن النظام في الممالك المأهولة. لديهم ملك، وضباط من أصناف شتى؛ فمنهم كالقضاة يقوّمون الاعوجاج في الداخل، ومنهم كالتجار يغامرون بالتجارة في الخارج، وآخرون كالجنود المسلحين بإبرهم، ينهبون براعم الصيف المخملية ثم يعودون بغنائمهم بمسيرة فرحة إلى خيمة إمبراطورهم الملكية، الذي يراقب في جلاله البنائين وهم يشيدون سقوفاً من ذهب، والمواطنين وهم يعجنون العسل، والعمال الفقراء وهم يتزاحمون عند بوابته الضيقة بأحمالهم الثقيلة، بينما يراقب القاضي المتجهم هؤلاء الذكور الكسالى ليصدر حكمه بنفيهم.
على الرغم من بعض الأخطاء العلمية في هذه الأبيات، إلا أنها ترسم صورة بديعة للحياة الاجتماعية المنظمة للنحل.
في عام 1623م، أصدر باتلر (Butler) كتابه The Feminine Monarchie الذي تحدث فيه عن الملكة، وإن كانت بعض ملاحظاته لم تثبت صحتها لاحقاً. ويُعتقد أن لويس منديز دي توريس (Luis Mendez de Torres) كان أول من أشار إلى حقيقة الملكة في عام 1586م. إلا أن الحسم العلمي جاء على يد العالم يان سوامردام (Jan Swammerdam) (1637-1680م)، الذي أثبت عبر الفحص المجهري في ستينيات القرن السابع عشر أن الملكة هي أنثى، وأن النحلات العاملات هنَّ أيضاً إناث في بنيتهنَّ البيولوجية.
سيادة الإناث
قد يتساءل البعض: أليس من البديهي أن الملكة والعاملات هن إناث؟، ولكن توضيح ذلك كان ضرورياً لأن الجهل بهذه الحقيقة استمر طويلاً؛ ففي عام 1875م صدر كتاب لتوماس ماكسويل (Thomas Maxwell) بعنوان حلم ملك النحل (The king Bee's Dream: A Metrical Address)، مما يعني أن فكرة المَلِك كانت لا تزال مسيطرة.
وفي عام 1792م، طوّر العالم فرانسوا هوبير (Francois Huber) أبحاث سوامردام، مكتشفاً أن ذكر النحل ينتهي دوره بمجرد التلقيح خارج الخلية، بل إن العاملات قد يقمن بطرده أو التخلص منه لاحقاً! إن العلم لا يزال يكشف لنا عجائب هذا المجتمع الذي تديره الإناث بالكامل؛ فهنَّ من يجمع الرحيق، وينظف الخلية، ويغذي الملكة واليرقات، ويحرس المداخل، ويبني الغرف، ويصنع العسل ويخزنه.
ثانيا: الإعجاز الهندسي في بناء الخلية
يقول الله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}.
تأمل في هذا البناء: متانة فائقة، جمال أخاذ، غرف متعددة، وسعة تخزينية مذهلة. لا يمكن لأحد أن يصمم بيتاً يتفوق على خلية النحل في هذه الخصائص المجتمعة، فهي نتاج عبقرية هندسية فطرية.
سر الشكل السداسي
من الناحية الرياضية، وجد العلماء أن تقسيم أي مساحة إلى أشكال سداسية (Hexagon) يوفر مساحة أكبر مما لو قُسمت إلى مثلثات متساوية الأضلاع أو مربعات. والأهم من ذلك، أن هذا الشكل يتطلب أقل كمية ممكنة من مواد البناء (الشمع). ورغم أن علماء الرياضيات عرفوا هذه الحقيقة لقرون، إلا أن البرهان العلمي القاطع لم يظهر إلا في عام 1999م على يد البروفيسور توماس هيلز فيما يعرف بـحدسية خلية النحل - (Honeycomb Conjecture).
لقد أثبت هيلز أن الشكل السداسي هو الأمثل لتقسيم المساحة بأقل مجهود ومواد. وبفضل هذا الإلهام، تستطيع النحلة بناء غرف خفيفة الوزن لكنها قوية جداً، قادرة على استيعاب أكبر قدر ممكن من العسل. وكما ذكرنا سابقاً، فإن هذا المبدأ الهندسي هو ذاته الذي تعتمد عليه صناعة الطائرات الحديثة اليوم.
في هندسة الطيران
إن التحدي الأكبر الذي يواجه المهندسين عند تصميم الطائرات يكمن في معادلة صعبة: تقليل الوزن مع زيادة المتانة. وهنا برز التصميم الهندسي لخلية النحل كحل عبقري استلهمته التكنولوجيا الحديثة من الطبيعة.
١) خفة الوزن وكفاءة الأداء
تُستخدم الألواح المصممة على هيئة خلايا النحل في تصنيع أجنحة الطائرات، وأرضياتها، وجدرانها الداخلية. يتم وضع هيكل سداسي (لبّ الخلية) بين طبقتين معدنيتين، مما يقلل وزن الطائرة بشكل هائل دون المساس بصلابتها، وهذا الانخفاض في الوزن يؤدي مباشرة إلى توفير استهلاك الوقود وزيادة الكفاءة.
٢). القوة البنيوية وتوزيع الضغط
تتميز الغرف السداسية بقدرة فائقة على توزيع الثقل والضغط بالتساوي في جميع الاتجاهات. تمنح هذه الهندسة الدقيقة جسم الطائرة القوة اللازمة لمواجهة الضغوط الجوية الهائلة والاضطرابات التي تتعرض لها أثناء التحليق في أعالي السماء.
٣). العزل الحراري والصوتي
تعمل جيوب الهواء المحبوسة داخل هذه الخلايا السداسية كعازل طبيعي ممتاز، فهي تساعد في تنظيم درجة الحرارة داخل مقصورة الطائرة، كما تساهم بشكل فعال في خفض مستويات الضجيج، مما يوفر تجربة سفر أكثر راحة وهدوءاً.
الوحي الإلهي والتفنيد العلمي للتطور الصدفي
السؤال الجوهري هنا هو: من علَّم النحلة هذه الهندسة المعقدة منذ اللحظة الأولى لوجودها؟ الإجابة تكمن في قوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ}. إن هذا التصميم المتقن الذي صاحب النحل منذ نشأته يمثل دليلاً قوياً يقف في وجه نظريات التطور التي تعزو كل شيء للصدفة أو التدرج العشوائي، فهو إتقانٌ ربانيٌّ مباشر صاغته يد القدرة.
ثالثاً: رحلة البحث عن الغذاء، لغة الرقص والارتقاء
يقول الله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
إن الطريقة التي يجمع بها النحل غذاءه مثيرة للدهشة؛ فبمجرد أن تعثر النحلة على مصدر للغذاء، تعود مسرعة إلى الخلية لتبلغ رفيقاتها بمكانه بدقة متناهية. تستخدم النحلة في ذلك "لغة الرقص"؛ فإذا كان الغذاء على مسافة بعيدة (أكثر من 100 متر تقريباً)، تؤدي رقصة اهتزازية على شكل رقم ثمانية (Waggle Dance)، أما إذا كان قريباً، فتؤدي رقصة دائرية (Round Dance). وقد نال العالم كارل فون فريش (Karl von Frisch) جائزة نوبل عام 1973 تقديراً لاكتشافه هذا النظام اللغوي المذهل لدى النحل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من علَّم النحلة وسائل التواصل المعقدة هذه؟ وفي أي حلقة من حلقات التطور اكتسبت هذه المهارة؟ فمنذ قديم الزمان والنحل يبني خلاياه ويؤدي رقصاته بذات الدقة. ولنتخيل حجم الجهد المبذول؛ فمن أجل إنتاج كيلوغرام واحد من العسل الصافي، يحتاج النحل لزيارة نحو 2,737,500 زهرة، وقطع مسافة تصل إلى 150,000 كيلومتر، ما يعادل دوران حول الأرض أربع مرات!
إن قوله تعالى: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} يشير بوضوح إلى أن هذه المسارات والطرق قد سخرها الله تعالى وذللها لها. فالنحل لم يتخرج في كليات الهندسة، بل هي قدرة أودعها الخالق في شفرتها الوراثية، وهذا هو المعنى العميق لقوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ}؛ إنه الإلهام الإلهي الذي يوجه هذا الكائن الصغير لخدمة الحياة والإنسان.
رابعاً: غذاء النحل؛ دقة اللفظ وسعة المعنى
يقول الله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}. نعلم جميعاً أن النحل يجمع غذاءه من الزهور، وتربية النحل مهنة عرفتها البشرية منذ عام 6000 قبل الميلاد. لذا فإن حقيقة امتصاص النحل لرحيق الأزهار كانت معلومة بالضرورة للجميع، ومحاولة البعض التشكيك في معرفة النبي ﷺ لهذه البديهة هو محض قصور في الفهم.
لكن الملفت هنا هو استخدام القرآن لتعبير {مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} بدلاً من الأزهار. فلماذا اختار الوحي هذا اللفظ تحديداً؟ إليكم بعض التأملات في هذا الإعجاز:
١). الشمولية البيولوجية: كلمة ثمرة في اللغة أوسع من كلمة زهرة؛ فهي تشمل الزهور، وحبوب اللقاح، والرحيق، وحتى الفواكه. والحقيقة العلمية التي قد تخفى على الكثيرين هي أن النحل يتغذى أحياناً على عصارة بعض الفواكه الناضجة بجانب الرحيق، فجاء اللفظ القرآني جامعاً لكل مصادر غذائه.
٢). دلالة الاستقصاء (كُلِّ): بما أن إنتاج كيلوغرام واحد من العسل يتطلب زيارة ملايين الزهور، فإن النحل لا يكاد يترك زهرة أو ثمرة صالحة في محيطه إلا وينهل منها. فكلمة كل هنا تشير إلى أن النحل يستخلص غذاءه من كل المتاح والمباح له في بيئته، تماماً كما نقول فلان يأكل كل الطعام، أي كل ما يُتعارف عليه كطعام للبشر.
٣). الدقة التبعيضية (مِن): حرف الجر مِن هنا للتبعيض؛ أي أنها تأكل جزءاً مما تحتويه تلك الثمرات، وهو الرحيق أو المادة السكرية، وليس الثمرة بكامل جرمها. فكان الحرف أداة دقيقة لتحديد نوع العلاقة بين النحلة والثمرة.
٤). المجاز المرسل والبلاغة العربية: في لغة العرب، قد يُسمى الشيء بما سيؤول إليه باعتبار ما سيكون، فالزهرة هي أصل الثمرة وبدايتها. وهذا كقولنا طبختُ الأرز والمقصود أنك طبخت الحب ليصير أرزاً، أو كقوله تعالى في سورة يوسف: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}، والمعصور في الحقيقة هو العنب الذي سيتحول لاحقاً إلى خمر. فاستخدام الثمرات هنا هو لون من ألوان البلاغة التي تسمى المجاز المرسل.
وباالخلاصة إن كلمات مِن، وكُلِّ، والثَّمَرَاتِ لا تصطدم مع الحقائق العلمية الحديثة، بل تفتح آفاقاً جديدة للبحث والتأمل، وتضفي على النص القرآني هيبة أدبية ودقة علمية في آنٍ واحد.
خامساً: العسل؛ مجمع الشفاء الإلهي
يقول الله تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
على الرغم من ذياع صيت العسل كعلاج منذ القِدَم، إلا أن السؤال عن الأدلة العلمية الحديثة يظل قائماً لدى البعض. وفي دراسة نشرتها المجلة الإيرانية للعلوم الطبية الأساسية تحت عنوان الاستخدامات التقليدية والحديثة للعسل الطبيعي في الأمراض البشرية، أكد الباحثان طاهرة اعتراف ومسلم نجفي حقائق مذهلة.
١). سلاح بيولوجي ضد البكتيريا: خضع العسل خلال العقود الأخيرة لاختبارات سريرية ومخبرية مكثفة، وكان من أبرز نتائجها قدرته الفائقة كمضاد للبكتيريا. فقد أثبتت الدراسات أن العسل الطبيعي يمتلك قوة رادعة لمجموعة من الجراثيم الخطيرة مثل السالمونيلا، والشيجيلا، والإشريكية القولونية، وجرثومة المعدة الحلزونية البوابية. كما تبين أن فعاليته في علاج التهاب القولون تضاهي أحياناً علاجات كيميائية معروفة مثل بريدنيزولون.
٢). تعزيز المناعة وحماية القلب: أكدت الأبحاث أن العسل يعمل كمنشط طبيعي للجهاز المناعي؛ ففي دراسة أجراها (الوايلي وبوني) عام 2003م، ظهر أن استهلاك العسل يرفع من استجابة الجسم الدفاعية ضد العدوى. وبجانب ذلك، أظهرت المختبرات أن العسل غني بمضادات الأكسدة التي تحمي القلب من خلال منع تأكسد الكوليسترول الضار (LDL)، كما أشارت بعض الأبحاث إلى فعاليته في مكافحة سرطان المثانة.
٣). العسل في الطب التقليدي والجمال: لا يقتصر دور العسل على المختبرات الحديثة، بل هو ركن ركين في الطب البديل والآيورفيدا. فهو يُستخدم لتنقية الجسم من السموم، وعلاج نزلات البرد والسعال، وتخفيف تشنجات الحجاب الحاجز (الحازوقة). وتقول الدكتورة مانيشا كالي، الأخصائية في مستشفى نيروج بالهند، إن العسل مادة غذائية متكاملة تساعد في طرد البلغم وتعزيز طاقة الجسم.
٤). فوائد شاملة للصحة والمظهر: إن إدراج العسل في النظام الغذائي اليومي يحسن الصحة ويزيد البهاء؛ فتناوله مع الماء الدافئ يساعد في علاج الإمساك، وتهدئة آلام الحلق، وإنقاص الوزن. أما جمالياً، فيدخل العسل في أقنعة البشرة مع الكركم ودقيق الحمص ليمنح الجلد نضارة وإشراقاً طبيعياً. باختصار، العسل صيدلية ربانية متكاملة لالتئام الجروح، وفتح الشهية، وتحسين الهضم، وتطهير البدن.
التركيب الكيميائي للعسل
يُعتبر العسل معجزةً طبيعية فريدة، فهو يحتوي على ما يقارب 200 مادة مغذية تتناغم معاً لتمنحه قيمته المذهلة. تشمل هذه المكونات الأحماض الأمينية، الفيتامينات، المعادن، والإنزيمات الحيوية. هناك بعض من أبرز هذه العناصر:
1. amino acids,
2. vitamins,
3. minerals
4. enzymes,
5. sugar 95–99%
6. fructose
7. glucose
8. maltose,
9. sucrose,
10. isomaltose turanose,
11. nigerose,
12. meli-biose,
13. panose,
14. maltotrios
15. , melezitose
16. . oligosaccharides
17. fructooligosaccharides
18. Water
19. The organic acids
20. Potassium
21. calcium
22. , magnesium
23. sodium,
24. sulphur
25. phosphorus
26. iron,
27. copper
28. zinc
29. manganes
30. vitamins C,
31. B1 (thiamine)
32. B2 complex
33. riboflavin,
34. nicotinic acid
35. B6 panthothenic acid
سادساً: تنوع الألوان في العسل
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {یَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابࣱ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَ ٰنُهُۥ فِیهِ شِفَاۤءࣱ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ}.
إن هذا التنوع في ألوان العسل ليس مجرد جمال بصري، بل هو آية تدعونا للتأمل في قدرة الخالق وعجائب الطبيعة. لقد صنفت وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) العسل إلى سبع درجات لونية تختلف باختلاف المصادر الزهرية والظروف البيئية، وهي كالآتي:
١) الأبيض المائي
٢) الأبيض الناصع
٣) الأبيض
٤) العنبري الفاتح جداً
٥) العنبري الفاتح
٦) العنبري
٧) العنبري الداكن
سابعاً: المعدة ذات الحجرات المتعددة
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا}. نلاحظ هنا أن النص القرآني استخدم صيغة الجمع بطونها بدلاً من الإفراد بطنها عند الحديث عن مخرج العسل من النحل. وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا الجمع يشير إلى جماعة النحل؛ ففي الخلية الواحدة يعيش مجتمع ضخم يتراوح عدده ما بين 20 ألفاً إلى 80 ألف نحلة، والعسل هو نتاج تضافر جهود هذا المجتمع بأسره.
ومع ذلك، تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى لفتة أعمق؛ فقد ذكر الباحث علي بشير من قسم العلوم الزراعية بجامعة واسط في العراق، أن للنحلة الواحدة تجاويف أو حجرات متعددة داخل جهازها الهضمي، وهو ما قد يفسر الإعجاز في استخدام صيغة الجمع بطونها للإشارة إلى تلك الأجزاء الداخلية المتخصصة في إنتاج العسل وتخزينه.
ثامناً: الرياضيات والإعجاز العددي
يقول الله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
هل ثمة إشارات في القرآن الكريم إلى عدد كروموسومات النحل أو مراحل نموها؟ رغم أن القرآن كتاب هداية وليس كتاب علوم بالدرجة الأولى، إلا أن الدكتور مزاحم أيوب الصائغ، أستاذ تربية النحل في كلية الزراعة والغابات بجامعة الموصل، يشاركنا بعض اللطائف الرياضية المثيرة للتأمل:
١) رقم السورة: تقع سورة النحل في الترتيب السادس عشر (16) بين سور القرآن الكريم. وهذا الرقم (16) يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيولوجيا النحل؛ فبويضة النحل تحتوي على 16 كروموسوماً.
٢) ذكور النحل: تنمو ذكور النحل من بويضات غير مخصبة أي لا أبَ لها، وتتكون خلاياها من 16 كروموسوماً فقط.
٣) النطاف: تحتوي الحيوانات المنوية لذكور النحل عند التلقيح على 16 كروموسوماً أيضاً.
٤) الملكة والعاملات: تنمو الملكة والعاملات من بويضات مخصبة (بويضة + حيوان منوي)، لذا تحتوي أجسادها على 32 كروموسوماً (أي 16 × 2). الرقم 16 يظل هو الوحدة الأساسية.
٥) عدد الحروف: في الآية 68، تبدأ الإشارة بقوله تعالى: وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ، المثير للدهشة أن هذه الجملة تتكون من 16 حرفاً بناءً على الحروف الهجائية المستخدمة في تركيب الكلمات.
٦) الحروف الفريدة: الآية 68 التي ذكرت النحل لأول مرة، استخدمت في صياغتها 16 حرفاً هجائياً مختلفاً من حروف اللغة العربية، وهي الوو، والألف، والحاء، والياء، والباء، والكاف، واللام، والنون، والتاء، والخاء، والذال، والميم، والسين، والعين، والشين، والراء.
٧) الربط بالمسيح: ذكرنا أن ذكر النحل يولد من أم دون أب، وفي القرآن نجد مثالاً بشرياً فريداً وهو السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام الذي ولد بلا أب. ومن العجائب أن عبارة عيسى ابن مريم تكررت في القرآن الكريم 16 مرة!
٨) دورة النمو: تخرج ملكة النحل من شرنقتها كحشرة كاملة في اليوم الـ 16 من وضع البيضة.
تبقى هذه التوافقات الرقمية مجالاً للتفكر والتدبر، سواء كانت مقصودة في الإعجاز أو من لطائف الترتيب القرآني.
تاسعاً: أهمية التفكر
يختتم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. إن مجيء كلمة آية بصيغة التنكير مع التنوين يشير إلى تعظيم هذه الآية وتعدد جوانبها؛ فهي ليست مجرد دليل واحد، بل هي آية عظيمة وحجة بالغة لمن أعمل عقله. وكل ما استعرضناه من دراسات علمية وحقائق مذهلة ما هو إلا ثمرة لهذا التفكر الذي حث عليه القرآن، وبقدر ما نزيد في البحث والتأمل، ستتكشف لنا كنوز وعبر جديدة لا تنتهي.
ومن اللطائف القرآنية في سورة النحل، أن السياق القرآني يربط بين نوع المعجزة والحاسة المستخدمة لإدراكها؛ فبعض الدلائل يكفي فيها السماع لتدركها الفطرة، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. أما في حالة النحل، فإن الأمر يتجاوز مجرد الرؤية البصرية أو السماع العابر؛ إذ يتطلب الأمر غوصاً في التفاصيل، وتحليلاً للمسالك، وفهماً للهندسة الحيوية، لذا جاء التعبير بـ يَتَفَكَّرُونَ، وهي دعوة لاستخدام أقصى طاقات العقل البشري.
كما أن تصدير الآية بكلمة {رَبُّكَ} في قوله {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} يحمل دلالة تربوية عميقة؛ فكأن الله يخاطب الإنسان قائلاً: إن الخالق الذي أبدع هذا النظام المعجز في حياة النحلة هو نفسه ربك الذي يتولاك برعايته ويدبر شؤونك. هذا الربط يرسخ في نفس المؤمن معاني العبودية والامتنان. وهكذا، تظل النحلة تقدم لنا دروساً تتجاوز حدود العسل المصفى، لتعطينا دروساً في الإتقان، والتعاون، وعظمة الخلق، ودليلاً ناصعاً على صدق نبوة الرسول ﷺ الذي أُنزل عليه هذا الوحي المعجز

