تحمل السورة التاسعة والعشرون من القرآن الكريم اسم العنكبوت، وذلك لذكر هذا المخلوق العجيب في آيتها الحادية والأربعين. وبما أن العنكبوت من الكائنات التي خصها القرآن بالذكر، يجدر بنا أن نتأمل في بعض الحقائق الأساسية حولها.
العنكبوت حيوان فقاري صغير يشتهر بنسج شباكه لاصطياد الفرائس. ينتمي إلى رتبة العنكبيات (Araneae) ضمن طائفة العنكبوتيات (Arachnida). ويُعرف العلم الذي يختص بدراستها بـ علم العناكب (Araneology). وقد أحصى العلماء ما يقرب من 44,540 نوعاً من العناكب، تنضوي تحت 3,924 جنساً و112 فصيلة موزعة حول العالم.
ينقسم جسم العنكبوت إلى جزأين أساسيين: الجزء الأمامي الذي يجمع الرأس والصدر معاً، والجزء الخلفي وهو البطن. في الجزء الأمامي، نجد أربعة أزواج من الأرجل، وزوجاً من اللوامس القدمية (Pedipalps) التي تشبه الأرجل القصيرة، وزوجاً من القرون الكلابية (Chelicerae) التي تشبه الملقط وتحتوي على الغدد السامة. ويفصل بين الجزء الأمامي والخلفي خصر نحيل للغاية.
تمتلك العناكب عادةً ثماني عيون، وهناك أنواع تمتلك ست أو أربع عيون، وقليلاً ما نجد أنواعاً بعينين فقط. وهي كائنات صيادة تتغذى على الحشرات والمفصليات الأخرى، ويغطي جسمها غلاف خارجي صلب مكسو بالشعيرات، تقوم بتبديله (الانسلاخ) من سبع إلى ثماني مرات حتى تصل إلى مرحلة النضج الكامل.
لقد استخدم القرآن الكريم العنكبوت ليضرب مثلاً بليغاً يوضح تفاهة الشرك وضلال المشركين، حيث يقول تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41].
هناك بعض اللطائف والحقائق التي تشير إليها هذه الآية:
أولاً: الفكرة المركزية
تتمحور السورة حول زيف المعتقدات الشركية، وهشاشة الروابط التي يعتمد عليها الكافرون، والنهاية المأساوية التي تنتظرهم. والآية تقدم تقريراً عاماً مدعماً بالمثال؛ حيث اختارت بيت العنكبوت كرمز للضعف والوهن، مما يجعل العنكبوت هو النقطة التي يرتكز عليها المعنى العام للسورة.
ثانياً: الموقع المركزي
العنكبوت ليس مركزاً للفكرة فحسب، بل هو مركز للبناء الهيكلي للسورة أيضاً. إذا اعتبرنا الآيات الـ 13 الأولى مقدمة، والآيتين الأخيرتين (68 و69) خاتمة، يتبقى لدينا متن السورة المكون من 55 آية. سنجد أن ذكر العنكبوت يقع في قلب هذه الآيات تماماً، وتحديداً في بداية النصف الثاني، مما يجعله قطب الرحى في السورة.
ثالثاً: الحياة المنفردة
كلمة عنكبوت في اللغة العربية مفردة. وعندما سمى القرآن سوراً بأسماء حشرات أخرى مثل النمل والنحل، استخدم صيغة الجمع، لأن تلك الحشرات تعيش في مجتمعات منظمة، وإذا ضلت النملة عن سربها فقدت حياتها أو سارعت للعودة إليه. أما العنكبوت، فهو كائن انعزالي بطبعه، يعيش وحيداً، ويبني بيته وحيداً، ولا يلتقي بغيره إلا نادراً للتزاوج. فهل كان من قبيل المصادفة أن يستخدم القرآن صيغة المفرد هنا؟ أم هي الدقة الإلهية التي تصف طباع الخلق وصفاً دقيقاً؟
رابعاً: سيادة الأنثى ودقة التأنيث
كلمة عنكبوت في اللغة العربية يمكن استخدامها للتذكير والتأنيث، وقد استخدمها الشعراء العرب قديماً بصيغة المذكر، كما في قول الشاعر أبو النجم: مما يسدي العنكبوت إذ خلا، حيث لم يقل خلت. لكن القرآن الكريم اختار صيغة التأنيث حصراً فقال: {اتَّخَذَتْ بَيْتًا}.
وهنا تبرز لفتة علمية مدهشة؛ ففي عالم العناكب، الأنثى هي التي تتولى المهمة الأساسية في بناء البيت وهندسة الخيوط، بينما يقتصر دور الذكر غالباً على مهام ثانوية أو المساعدة البسيطة. فجاءت تاء التأنيث في القرآن لتوافق الحقيقة البيولوجية التي لم تكن معروفة آنذاك.
خامساً: بيت واهن، لا خيوط واهنة
من الشائع أن نطلق على ما يصنعه العنكبوت شبكة العنكبوت، لكن القرآن استخدم لفظ {بَيْت} ولم يقل خيوط أو نسيج. فهل هناك حكمة من وصف البيت بالوهن بدلاً من الخيوط؟
الحقيقة العلمية تخبرنا أن خيوط العنكبوت ليست ضعيفة على الإطلاق. فسمك الخيط الواحد يبلغ جزءاً من المليون من البوصة أي أصغر من شعر الإنسان بـ 4000 مرة، ومع ذلك فهو أقوى من الفولاذ بخمس مرات إذا تساويا في السمك. وتؤكد الدراسات الحديثة أن خيوط عنكبوت نيفيلا أقوى بثلاث مرات من مادة الكيفلار المستخدمة في صناعة السترات الواقية من الرصاص. وبسبب هذه القوة الفائقة، تستخدم بعض الشركات العالمية هذه الخيوط في صناعة خيوط الجراحة وأدوات الصيد المتينة، ويؤكد العلماء أن شبكة من خيوط العنكبوت بسمك إصبع واحد قادرة على إيقاف طائرة جامبو جيت ضخمة وهي تحلق في السماء.
تصل قوة الشد في خيوط العنكبوت إلى 1.3 جيجا باسكال، مما يسمح لها بالتمدد وامتصاص الصدمات دون أن تنقطع. فحتى لو اصطدمت بها نحلة تفوقها حجماً وتطير بسرعة 32 كم في الساعة، تظل الشبكة صامدة ومحاصرة للفريسة.
إذن، لماذا وصفه القرآن بالوهن؟ لقد استخدم القرآن كلمة بيت لأن الوظيفة الأساسية لأي بيت هي توفير الحماية من الحر، والبرد، والرياح، وتأمين السكن والملجأ من الأعداء. وفي هذه الجوانب تحديداً، يظل بيت العنكبوت هو أوهن البيوت؛ فهو لا يقي ساكنه حراً ولا برداً، ولا يحميه من أي خطر خارجي، بل قد يتحول البيت نفسه إلى فخ مميت للذكر.
وهنا يكتمل وجه الشبه؛ فقد كان المشركون يمتلكون قوة مادية هائلة، مثل قوم ثمود الذين نحتوا البيوت في الجبال، والفراعنة الذين بنوا القصور الشاهقة، وقريش بجاهها وأموالها. لكنهم حين اتخذوا من دون الله أولياء، فقدوا الحماية الحقيقية والنجاة الأبدية. فالمؤهلات المادية والقوى الظاهرة لا قيمة لها إذا لم تحقق الغاية من الوجود، تماماً مثل خيوط العنكبوت؛ قوية جداً من حيث المادة، لكنها فاشلة تماماً في أداء وظيفة البيت الآمن.
سادساً: ليس بيتاً، بل مقتلة
يحمل لفظ البيتزفي طياته دلالات عميقة تتجاوز الجدران والسقف؛ فالبيت في جوهره هو واحة السكينة، وملاذ الأمان، والمكان الذي نضع فيه أثقالنا لنستريح بين أحضان الأسرة الدافئة، مهما كانت إمكانياته المادية متواضعة.
لكن الحال في بيت العنكبوت مخيف ومناقض تماماً لهذا المفهوم! فطقوس التزاوج لدى بعض الأنواع تنتهي بمأساة، حيث تفتك الأنثى بالذكر وتلتهمه فور انتهاء المهمة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فصغار العنكبوت الذين يخرجون بآلاف من كيس البيض، قد يقتلون أمهم ويقتاتون عليها، ثم يبدأ الصراع المرير بينهم، فيقتل الأخ أخاه ويأكل القوي منهم الضعيف.
هذا هو البيت من الداخل؛ مكان تُمحى فيه صلات الرحم، ولا أمان فيه للأب ولا للأم ولا للإخوة. أليس هذا هو أوهن البيوت معنوياً واجتماعياً؟ حتى وإن كان مبنياً من أقوى الخيوط المادية، فإنه يظل البيت الأكثر هشاشة وتفككاً في عالم المخلوقات. ما أروع الدقة القرآنية التي تصف الجوهر قبل المظهر.
سابعاً: لو كانوا يعلمون
يختتم الله تعالى الآية بقوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وفي هذا إشارة بليغة إلى أن هؤلاء المشركين لو امتلكوا العلم الحقيقي وأدركوا هذه الحقائق الدقيقة، لما وقعوا في فخ الشرك، ولما اتخذوا من دون الله أولياء لا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً.
وتلمح الآية أيضاً إلى أن فهم آيات الله تعالى في الكون يتطلب رصيداً من العلم والمعرفة؛ فالأسرار المودعة في خلق النحل وفي بيت العنكبوت لا تتجلى لكل أحد، بل يدركها المتفكرون الذين يربطون بين العلم والإيمان. وهذا ما يؤكده القرآن في آية لاحقة: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}.
بعد كل هذه الحقائق؛ هل يعقل أن يكون هذا الكلام من نسج خيال بشر عاش في الصحراء قبل قرون؟ أم هو وحي من خالق الأكوان الذي أحاط بكل شيء علماً؟ إنها كلمات الله تعالى، رب كل شيء ومليكه، الذي جعل من النحلة والعنكبوت آيات تنطق بالحق لمن ألقى السمع وهو شهيد.

