تعدّ الأرض الكوكبَ الوحيد في النظام الشمسي الذي يحمي الإنسان من الاحتراق حرارةً أو التجمد برودةً. فهي تضم المقومات الأساسية للحياة؛ فالهواء متاح لا نحتاج للبحث عنه، والماء وفير، والغذاء مهيأ، وضوء الشمس يأتينا بقدر موزون. كما يعمل الغلاف الجوي كدرع واقٍ يحمينا من الإشعاعات الفتّاكة، وبفضل الجاذبيّة، نتمكن من السير على سطحها بثبات وطمأنينة. إنها مريحة كالمهاد، وهادئة كسرير الطفل، لا نشعر باضطرابها رغم حركتها المستمرة، ولأنها كروية، فهي تمنحنا اتساعاً لا ينتهي مهما رحلنا فيها. كل هذه الحقائق أشار إليها القرآن الكريم منذ أمد بعيد:
{أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَـٰدࣰا} [سورة النبأ: 6]
{ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَ ٰشا وَٱلسَّمَاۤءَ بِنَاۤءࣰ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰتِ رِزۡقا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادࣰا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [سورة البقرة: 22]
{هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ} [سورة الملك: 15]
{وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَـٰهَا وَأَلۡقَیۡنَا فِیهَا رَوَ ٰسِیَ} [سورة الحجر: 19]
{وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَیۡفَ سُطِحَتۡ} [سورة الغاشية: 20]
يتضح من هذه الآيات أن المقصود هو وصف طبيعة الأرض وتهيئتها للحياة. فحين يوصف الكوكب بأنه كالمهاد، يفهم أي عقل لبيب أن المقصود هو الراحة والاستقرار وليس شكل السرير بحد ذاته. هذا المعنى يدركه الجميع بوضوح، باستثناء أولئك الذين يحاولون تأويل النصوص بسطحية وجدال غير منطقي.
هل الأرض كروية؟
لا يذكر القرآن صراحة أن الأرض كروية بالمعنى الهندسي الدقيق؛ ولو ذكر لربّما اعتبر البعض ذلك خطأً علمياً، فمن الناحية الهندسية، تفترض الكرة أن المسافة من أي نقطة على سطحها إلى المركز متساوية تماماً، وهذا لا ينطبق على الواقع الجغرافي للأرض. فالحقيقة المثبتة علمياً هي أن شكل الأرض ليس كروياً تاماً، بل هو في تغير مستمر وبسيط. ومع ذلك، فمن الواضح اليوم أن شكلها يقترب بشكل كبير من الكرة، ويشبهه البعض بشكل بيضة النَّعَامَة، بينما يطلق عليه الجغرافيون مصطلح الجيويد .
فهل هناك إشارات في القرآن تلمح إلى هذا المعنى؟ يرى المهتمون بالإعجاز العلمي في القرآن أن الإجابة هي نعم. ويستند هؤلاء إلى الآية الكريمة: {وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَ ٰلِكَ دَحَىٰهَاۤ} [سورة النازعات: 30].
فرغم أن المعنى الشائع لهذه الآية في التفاسير هو بسطها وجعلها واسعة، إلا أن لفظ دحاها يحمل دلالات لغوية أعمق؛ حيث يرى البعض أنها تشترك في الأصل اللغوي مع كلمة الأدحية التي تشير إلى مبيض النَّعامة أو بيضتها، وهو معنى متوفر في المعاجم العربية الحديثة. ومن الجدير بالذكر أن الفسرين القدامى مثل الإمام الرازي رحمه الله تعالى قد استدلوا بآيات قرآنية مختلفة لإثبات كروية الأرض (بمعنى عدم كونها مسطحة) حتى قبل اكتشافات العلم الحديث.
أما فيما يخص العبارات التي ترد في القرآن حول شروق الشمس وغروبها، فقد اتخذها البعض مادة للسخرية، زاعمين أن القرآن يتبنى تصوراً بدائياً يرى الشمس تطلع وتغرب فوق أرض مسطحة. ولكن، وصف شروق الشمس وغروبها لا يعد خروجاً عن المنطق العلمي؛ فاللغة هي في الأساس تعبير عن التجربة الإنسانية المشاهدة. حتى في عصرنا التكنولوجي الحالي، لا تزال الكتب المدرسية والمناهج العلمية تستخدم مصطلح تشرق الشمس من الشرق وتغرب من الغرب، لأن هذا ما تراه العين البشرية وتعيشه يومياً.
فالقرآن لم ينزل ليكون كتاباً في الفيزياء أو الفلك، بل هو منارة تهدي الإنسان إلى الخالق عبر لفت الأنظار إلى الظواهر الكونية والمشاهدات اليومية التي يراها الناس بأعينهم. إنه يخاطب الناس بلغتهم وتجاربهم الحسية، وليس بمصطلحات المعامل والمختبرات.
إن ما ذكره القرآن الكريم حول شروق الشمس وغروبها لا يدعم فكرة الأرض المسطحة، بل يعزز في الواقع حقيقة كرويتها. فقد تحدث القرآن عن المشرق والمغرب بثلاث صيغ لغوية مختلفة، وهو إعجاز بياني فريد:
بصيغة المفرد: كما في قوله تعالى: {رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤۖ} [سورة الشعراء: 28].
وبصيغة التثنية: كما في قوله تعالى: {رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَیۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَیۡنِ} [سورة الرحمن: 17].
وبصيغة الجمع: كما في قوله تعالى: {فَلَاۤ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَـٰرِقِ وَٱلۡمَغَـٰرِبِ} [سورة المعارج: 40].
إن اجتماع هذه الصيغ الثلاث لا يتحقق منطقياً إلا إذا كانت الأرض كروية تدور حول نفسها. فبالنسبة لأي شخص في نقطة ثابتة، هناك مشرق واحد ومغرب واحد يراهما بصره (صيغة المفرد). ولكن، نظراً لوجود نصفين للكرة الأرضية، فإن الشروق في نصف الأرض يقابله غروب في النصف الآخَر، مما يوجد مشرقين ومغربين للأرض ككل (صيغة التثنية). وبما أن الأرض تدور باستمرار، فإن كل لحظة تمر تشهد شروقاً في مكان وغروباً في مكان آخَر على طول محيطها، مما يجعل المشارق والمغارب لا حصر لها (صيغة الجمع).
حتى الآيات التي تتحدث عن سطح الأرض أو تمهيدها، مثل قوله تعالى: {وإلى الأرض كيف سُطحت}، تحمل إشارة خفية للكروية. فلكي تظل الأرض ممهدة ومبسوطة أمام المسافر مهما سار فيها دون أن يصل إلى حافة أو نهاية تصده، فلا بد أن تكون كروية الشكل؛ إذ أن الكرة هي الجسم الوحيد الذي يمكنك السير على سطحه إلى مالا نهاية دون توقف.
وقد استنبط بعض العلماء، ومنهم الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى، لمحات علمية من سورة يس، حيث يشير القرآن إلى أن الليل لا يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل. والسبب في ذلك هو أنهما موجودان معاً في آنٍ واحد على سطح الأرض؛ فبينما يعيش نصف العالَم في ضياء النهار، يغرق النصف الآخَر في ظلام الليل، وهذا لا يحدث إلا في شكل كروي دوار.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح في سورة يونس (الآية 24)، حيث يصف الله تعالى زينة الأرض واغترار أهلها بقدرتهم عليها، ثم يقول: {أَتَىٰهَاۤ أَمۡرُنَا لَیۡلًا أَوۡ نَهَارࣰا}.
والسؤال هنا: هل يتردد الخالق في تحديد وقت العذاب؟ حاشا ِلله، بل المقصود أن أمر الله حين يصدر، فإنه يحل على كوكب الأرض في وقت يكون فيه ليلٌ عند قوم ونهارٌ عند آخرين. إنها إشارة قرآنية بليغة إلى أن الليل والنهار يتعاقبان ويزدحمان في نفس اللحظة على جنبات هذا الكوكب المستدير.
دوران الأرض في المنظور القرآني
ساد قديماً الاعتقاد بأن الأرض ثابتة لا تتحرك، وهو ما تبناه بطليموس في نظريته عن مركزية الأرض، وهو التصور الذي ساد في الأوساط الكنسية قديماً، مما أدى إلى الصدام الشهير مع جاليليو حينما أثبت دوران الأرض، وانتهى الأمر بمحاكمته وحرق برونو حياً. ولكن، ما هو موقف القرآن الكريم من هذه القضية؟
يُقدم الباحثون في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم شرحاً منطقياً يعتمد على الاستنتاج؛ حيث يشيرون إلى وجود ثلاث احتمالات في علاقة الأرض بالشمس: إما أن الأرض والشمس ثابتتان لا تتحركان، أو أن الشمس هي التي تتحرك والأرض ثابتة، أو أن كليهما يتحرك. فلو فرضنا ثبات الأرض والشمس معاً، لما وجدنا تعاقباً لليل والنهار؛ بل لظل العالم إما في ليل سرمدي أو نهار دائم. وبما أن الواقع المشهود والآيات القرآنية يؤكدان تعاقب الليل والنهار، فلا بد من حركة أحدهما.
وإذا افترضنا أن الشمس هي التي تدور حول الأرض (لأجل تعاقب الليل والنهار)، لكان الضوء هو الذي يلاحق الظلام ويطويه، أي لكان النهار هو الذي يطلب الليل. لكن البيان القرآني جاء بدقة مذهلة ليثبت عكس ذلك، حيث يقول الله تعالى: {یُغۡشِی ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُۥ حَثِیثࣰا} [سورة الأعراف: 54]؛
فهنا الليل هو الذي يطلب النهار ويلاحقه، مما يشير إلى أن حركة الأرض حول نفسها أمام ضوء الشمس هي التي تجعل الظلام يزحف باستمرار ليغشى مناطق الضياء، وهذا ما يتفق تماماً مع حقيقة دوران الأرض.
الجبال تمر مرّ السحاب
ومن الأدلة القرآنية المدهشة التي استنبطها الشيخ الشعراوي قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةࣰ وَهِیَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} [سورة النمل: 88].
في هذه الآية، يخبرنا الله أننا حين ننظر إلى الجبال، نظنها ثابتة ومستقرة في مكانها، لكن الحقيقة أنها تتحرك وتمر كما يمر السحاب.
لماذا شبه القرآن حركة الجبال بـالسحاب وليس بـالرياح؟ لأن الرياح تتحرك بذاتها، أما السحاب فلا يتحرك من تلقاء نفسه، بل يحمله الهواء ويحركه. وبما أن الجبال هي أوتاد الأرض وجزء لا يتجزأ منها، فإن حركتها ليست ذاتية، بل هي ناتجة عن حركة المركبة التي تحملها، وهي كوكب الأرض.
ورغم أن بعض المفسرين القدامى ربطوا هذه الآية بأحداث يوم القيامة، إلا أن السياق في قوله {تَحۡسَبُهَا جَامِدَةࣰ} (أي تظنها ثابتة) يشير إلى واقع الدنيا؛ ففي يوم القيامة لن يكون هناك مجال لـالحسبان أو الظن، بل ستكون الأهوال والحركات واضحة عياناً كالصوف المنفوش. لذا، فالآية تشير بوضوح إلى دوران الأرض الذي نعيشه الآن دون أن نشعر به.

