ومن أشدّ المضطهدين بسبب اعتناق الإسلام آل ياسر، وهم عمّار بنُ ياسر ، وأبوه ياسر، وأمّه سميّة، وأخوه ، وكلّهم عُذِّبوا في الله أشدّ التعذيب وأنكى البليّات. فكان المشركون - وعلى رأسهم أبو جهل- يُخرجونهم إلى الأبطح إذا حميتِ الرمضاء، فيعذّبونهم بِحَرِّها.
وشددوا العذاب على عمّار بإلقاءه على الرمال اللهيبة تارة، وبوضع الصخر على صدره مرّة أخرى، وبالتغريق في الماء تارة أخرى. حتى أغمي ، وعندما يفيق من إغمائه يقول له المشركون: لا نتركُكَ حتى تسبّ محمدا، أو تقول: في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها. ثمّ حزن على ما قال مكرها من غير قصد، فجاء باكيا معتذرا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقصّ عليه حاله ، فأنزل الله : ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَن أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ( النحل : 106) تعني أنّ من يُجبَر على قول الكفر وقلبُه ثابتٌ على الإيمان، فلا إثم عليه، فشعرَ عمّار بالراحة والطمأنينة.
قدم والد عمّار- ياسر بن عامر – مع أخويه الحارث ومالك من اليمن إلى مكّة يطلب أخا لهم ، فرجع أخواه، وأقام ياسر وحالَف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي ، فزوَّجه المخزومي أمةً له اسمها سميّة بنت خياط فولدت له عمّارا ، فأعتقه أبو حذيفة ، ثم مات أبو حذيفة ، فلمّا جاء الله بالإسلام ، أسلم عمّار وأبواه وأخوه عبد الله.
ذهب عمّار إلى دار الأرقم ليستمع إلى آيات القرآن الكريم من رسول الله ﷺ، ثم كان يعود إلى منزله فينقل ما تعلّمه إلى والدته. وبينما كانت تُصغي إليه، انشرح صدرها للإيمان، وسكن نور اليقين قلبها. كانت كل آية يسمعها منها تملأ قلبها شوقًا وحماسة. وقد تأثرت تأثرًا بالغًا بالآية التي تُبين أن أصل البشرية من ذكر وأنثى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ (الحجرات: 13)، فأعربت لابنها عن رغبتها العميقة في لقاء النبي ﷺ في أقرب وقت ممكن. واستجابةً لإلحاحها، اصطحبها معه بعد يومين إلى دار الأرقم، فاستقبلهما رسول الله ﷺ بترحاب بالغ، وتلا عليها آيات من الذكر الحكيم. فرددتها سُميّة بقلب خاشع، مَلْأُه السرور والسكينة، وأسلمت. وعندما عادت إلى بيتها، أخبرت زوجها بما جرى، فشرح الله صدره كذلك، فدخل في الإسلام. وكانت أسرة ياسر من أوائل من دخلوا في الإسلام، بل كانوا من السابقين الأولين.
حافظت أسرة ياسر على إيمانها سِرًّا نحو عام، ثم أعلنوا إسلامَهم جهارا. ولم يكن ذلك مقبولًا لدى قبيلة بني مخزوم ، فثاروا عليهم وأظهروا اعتراضهم الشديد. فصبّوا عليهم ألوانًا من العذاب، وعاملوهم بأبشع صور الاضطهاد للارتداد عن الإسلام. لكنّ جهودهم ذهبتْ سدى، إذ ثبت أفراد أسرة ياسر على دينهم، رغم تناوب قريش على تعذيبهم، كُلاّ على حدة، ليصيروا مثالًا خالدًا في الثبات على العقيدة.
وكانت سُمَيَّة تُواجه التعذيب بثبات مدهش وشجاعة نادرة، ورغم كِبر سنّ سميّة إلا أنّها ثبتت ثباتاً عجيباً أمام أبي جهل الذي كان يتولى تعذيبها، وأغلظت له القول لما رأت تعذيب ابنها عمّارا، فطعنها في قُبلها بحَرْبة - رمح حادّ من حديد - في يده فماتت أمام زوجها وابنها، دون أن تتنازل لأبي جهل عن شيء من إسلامها، حتى قال جابر رضي الله عنه: يقتلوها فتأبى إلا الإسلام. فصارت أول شهيدة في الإسلام. وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لمّا رأى هذا التعذيب : صبرا .. آل ياسر ! فإنّ موعدكم الجنة.
لقد سطرت سمية رضي الله عنها - أول شهيد من المسلمين على وجه الأرض - بصبرها وبموقفها الشجاع أمام أبي جهل، المثالَ العمليّ في التضحية والبذل والثبات، ليظلّ كلُّ مسلم - رجلا كان أو امرأة - يقتدي بها في صبرها وثباتها أمام الابتلاءات، ولا يبخل بشيء في سبيل الله عز وجل، بعد أن جادت رضي الله عنها بروحها في سبيل الله.
وبعد مدة قليلة انتقل ياسر إلى رحمة الله تعالى، وعبد الله قُتل بسهم. وأما عمّار فعاش بعد ذلك طويلا، ولما قُتِل أبو جهل يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمّار: قتَل اللَّهُ قَاتِلَ أمَّك.





