ومن السابقين الأولين إلى الإسلام بلالُ بن رباح، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو حبشيّ الأصل وأمه حمامة كانت أمة لبني جُمَح من قريش. كان يعيش في مكة عبدًا لأميّة بن خلف. بعد استماع دعوة النبي ﷺ، اعتنق بلال الإسلام. لم يعجب هذا سيدَه أمية. حاول مرارا أن يردّه عن الإسلام، لكنّ بلالا لم يتراجع. أصبح أمية عنيفًا. ربط بلالًا بحبل وألقاه على الرمال المحرِقة. وكان أمية بن خلف يُخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكّة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموتَ، أو تكفرَ بمحمّد، وتعبدَ اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد، أحد. كلما يزداد تعذيب أمية يرفع صوت بلال : أحد، أحد....
يقول الصحابي الجليل عمرو بن العاص : حينما كنتُ أمًرّ في مكة، رأيتُ بلالًا يُعذَّب أمامي. كلّما قال بلال: أحد. أحد، ازداد أمية قسوةً. كان جسدُ بلال يُلقَى على الرمال الحارقة. وكان يفقُد وعيُه أحيانًا ثم يعود إلى وعيه، وهو يقول: أحد.
يشهد حسان بن ثابت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنّه حين ذهب لأداء العمرة واقترب من الكعبة، رأي بلالا ربطوا في عنقه حبلاً ودفَعوه إلى الصبيان يلعبون به، وهو يصيح: أنا أُنكر بآلهتكم؛ اللّات، والعزّى، ومَناة، وهُبُل، ونَائِلة، وبُوانَة. فجاء أميّة وحمَله وقت الظهيرة إلى الصحراء الحارقة. لو وضعتْ عليه قطعةٌ من اللحم لنضِجتْ.
يقول مجاهد: قيّدتْ قريشٌ عنقَ بلال بحبل، وأمرتِ الصبيان بسحبه بين جبال مكة. فقام الصبيان بسحبه، وكان بلال يردّد: أحد، أحد. وفيما بعد، يقول بلال عن نفسه : لقد قيّدوني وسحَبوني على الأرض ليلة واحدة ونهارَها دونَ توقّف. فجفَّ حلقي حتّى لا أقدر للنطق بحرف واحد.
مرّ ورقة بن نوفل ببلال وهو يعذّب وهو يقول : أحد أحد، فردّد ورقة : أحد ، أحد ، اللهَ يا بلال. ثم أقبل ورقة بن نوفل على أمية بن خلف وهو يصنع ذلك ببلال ، فيقول : أَحلِف بالله عزّوجلّ لئن قتلتموه على هذا لأتخذنّه حنانا، حتّى مرّ به أبو بكر الصديق يوما، وهم يصنعون ذلك ، فقال لأمية : ألا تتقي الله في هذا المسكين ، حتىّ متى ؟ قال : أنتَ أفسدتَه فأنقِذْهُ ممّا ترى ، فقال أبو بكر أَفعلُ ، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، على دينك أُعطيكه به ، قال : قد قبلتُ ، قال : هو لك ، فأعطاه أبو بكر غلامَه ذلك ، وأخذ بلالا فأعتقه . هكذا دخل بلال من قيد العبودية إلى عالم الحرية.
وجاء في رواية ابن سيرين أن بلالا لمّا ظهر مواليه على إسلامه مَطّوه ( مَدَّوْهُ) في الشمس ، وعذّبوه ، وجعلوا يقولون : إلهك اللات والعزّى ، وهو يقول : أحد أحد . فبلغ أبا بكر ، فأتاهم ، فقال : علام تقتُلونه ؟ فإنّه غير مطيعكم . قالوا : اشترِه . فاشتراه بسبع أواق ، فأعتقه .وأخبر ذلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم - فقال : الشِركةَ يا أبا بكر . قال : قد أعتقتُه . وجاء في رواية أخرى، أعتقه أبو بكر بخمس أُواق.





