لم تكن بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم ظاهرة مفاجئة. جاءت في وقت كانت البشرية تعيش في ظلال الجهل والشرك والفوضى، وكان العالمُ أجمع في حالة تنتظر زعيما مصلحا ، وبشّرت الكتب المقدسة كلها بدنوّ أجل ظهور رجل روحيّ ينقذ العالم من الجهالة والظلم. فتبيّن للجميع أنّ ذلك الشخص الموعود هو محمدبن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إعلان النبوة في وقت اكتمل فيه كلّ الاستعدادات.
أما الرؤى التي رآها النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكانت مقدمة لرسالته. وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. رأى النبي صلى الله عليه وسلم خلال هذه الفترة رؤى كثيرة أثارت أفكاراً خطيرة. وتشير الوثائق إلى أن فترة الرؤيا كانت حوالي ستة أشهر قبل النبوة. منها ما رواه ابن اسحق وغيره، رأيت كأن آتيًا أتاني، وأنا نائم، ومعه شخصان أو ثلاثة، فأضجعوني وشقوا بطني، وأخرجوا شيئًا منه وغسلوه، ثم أعادوه. ثم قال أحدهم: هذا هو النبي الذي كنا نبحث عنه. ففزع النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المنظر. وفي الصباح التالي أخبر عمه أبي طالب بالخبر. فقال : إنها رؤية ، لا تبال بها.
روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأعرف حجراً بمكة، كان يسلّم عليّ قبل أن أُبْعَث، إني لأعرفه الآن. وليس هذا ينحصر في حجر ، وهناك مظاهر وأشياء كانت تُسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم . وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا معه في بعض نواحيها، فمررنا بين الجبال والشجر، فلم نمر بشجرة، ولا جبل، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.. وفي لفظ «فجعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه»، وفي لفظ للبيهقي «فما استقبله شجر إلا قال له: السلام عليكم.
مثل هذه الحوادث وردت كثيرة في الأحاديث وكتب السيرة، ولا مجال للشك في وقوع مثل ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم ولا حاجة لتأويلها بشكل مجازي. قال الإمام النووي : " فيه معجزة له صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . (البقرة: 74)
ومن الإرهاصات للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمع صوتا ويرى نورا من السماء قبل النبوة، مرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة : إني لأرى نورًا، وأسمع صوتًا، وإني أخشى أن يكون بي جنون ."فقالت له خديجة رضي الله عنها لا ، يا ابن عم، إنك لتُبشر، ولن يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
وحبّب إليه الخلوة والانفراد قبل النبوة مفكرا ومنشغلا بذكر الله تعالى، ولم تكن هذه الخلوة نتيجة لتأمل سابق خططه النبي صلى الله عليه وسلم، بل انتهى إليه طبيعيا بإلهام من الله تعالى، على عكس الفلاسفة الذين اختاروا التأمل والخلوة بسبب القلق والحيرة التي أحاطوا بهم. وعلى عكس بعض النساك الذين أحبوا المكث في الغابات على أساس مبادئهم، بل كانت هذه الخلوة حدثت بشكل طبيعي من غير خطة سابقة كجزء من اختياره تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم لأداء مهمة عظيمة هي الرسالة. نتيجة لندائه النفسي إلى الخلوة أحب أن يتسلق جبل النور ووصل إلى غار حراء في قمّته وذكر الله خاليا حتى أتاه جبريل بالوحي.





