أما مدة فترة الوحي فروى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد أنها كانت أياماً وهذا الذي يترجح بل يتعين بعد إدارة النظر في جميع الجوانب . وأما ما اشتهر من أنها دامت طيلة ثلاث سنين أو سنتين ونصف فلا يصح بحال .
قال ابن حجر رحمه الله: إن انقطاع الوحي كان ثلاثة أيام بعد أول لقاء مع جبريل عليه السلام ليذهب ما كان له من الروع ، وليحصل له التشوف إلى العود ، فلما تقلصت ظلال الحيرة ، وثبتت أعلام الحقيقة ، وعرف له معرفة اليقين أنه أضحى نبياً ، انتظر لقاء جبريل عليه السلام مرة ثانية ، فخرح من بيته إلى واد حول الكعبة .
روى البخاري عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحي ، قال :فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء ، فرفعت بصري قِبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت : زمّلوني زمّلوني ، فزَمَّلوني ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . (المدثر : 1-5)
روى جابر رضي الله عنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : جاورتُ بحراء فلما قضيتُ جواري هبطتُ ، فنوديتُ فنظرتُ عن يميني فلم أر شيئا ونظرتُ عن شمالي فلم أر شيئا ونظرتُ أمامي فلم أر شيئا ونظرتُ خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيتُ خديجة فقلت : دثِّروني وصبّوا عليَّ ماء باردا . قال: فدثَّروني وصبّوا عليَّ ماءً باردا ، فنزلت : يا أيها المدثر، قم فأنذر ،وربك فكبر .
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم: أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ليريه كيف الطَّهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل يتوضأ، ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، ثم انصرف جبريل.
وعاد النبي إلى بيته. وعلى طول الطريق، استقبلته الحجارة والأغصان. السلام عليك يا رسول الله... ومشى حتى وصل إلى خديجة. وقد روى الأحداث التي جرت. سعدت خديجة كثيراً بسماع الأحداث. وأخذ النبي بيد زوجته، وسار كلاهما إلى بئر زمزم أراها كيفية الوضوء. فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته. فبذلك أصبحت خديجة أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأول من توضأت وأدت الصلاة.





