خَبَّاب بن الأرتّ، الذي ضحّى بنفسه في سبيل حماية دينه، يظلّ ذكرى مشرقة في تاريخ الإسلام. يوما أقبل عليه سِباع بن عبد العزى ومعه نفر من قريش، وقال: لقد بلغَنَا عنكَ نبأٌ لم نصدّقه. فقال خبّاب: وما هو؟ فقال سِباع: يُشاع أنّك صبأتَ، وتبِعتَ غلام ابن هاشم!. فقال خبّاب في هدوء: ما صبأتُ، وإنّما آمنتُ بالله وحده لا شريك له، ونبذتُ أصنامكم، وشهدتُ أنّ محمدًا عبد الله ورسوله.
لم يحتمل سباعٌ هذا الردّ الجريء، كيف لعبدٍ لا يملك نفسَه أن يجهرَ بالإيمان ويصغّر آلهة قريش؟! فهاج وماج، وهجم عليه بسيف من السيوف التي كان يصنعها خبّاب بيديه، وضربَه وأوجعه حتى سال دمه. ذاع الخبر في مكة: عبدٌ يعلن إسلامَه جهرًا ويُضرب في متجره!
فاجتمعت قريش في دار الندوة، وفي مقدّمتهم كبار الطغاة: أبو جهل،و أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، واتفقوا على أن يجعلوا خبّابًا عبرة لغيره من العبيد وضعفاء الناس. فأُسند أمرُ تعذيبه إلى سباع ، شقيق سيدته أم أنمار، فكانوا يحمون الحديد بالنار، ثم يُكوى به جسدُ خبّاب حتّى تفوح رائحة لحمه المحترق.
قاموا بطرح خبّاب في الشمس الملتهبة، وألقوه عاريًا على الرمال المحرقة. ثم وضعوا على صدره حجارة ثقيلة. ثمّ سألوا له: ماذا تقول عن محمد الآن؟ فأجاب: رسول الله ونبيي. ثم أخذوا الحديدة قد أحماها فكوّي بها ظهره وجسده . وهو لا يزال يتعرّض للتعذيب. وسألوه: وماذا تقول عن اللات والعزى؟ فأجاب : ماذا أقول في أمر صنمين من حجر؟ وكلّما أجاب خبّاب بهذه الطريقة، كانوا يزيدون في تعذيبه.
وُلِد خباب بن الأرتّ في نجد، من قبيلة تميم. وفي أحد الأيام، سقط في أيدي قطّاع الطرق، فتمّ بيعه في سوق مكة، اشترته امرأة ثرية من قبيلة خزاعة تُدعى أمّ أنمار، وبما أنّه كان عبدًا بارعًا في صناعة السيوف، قامت بتدريبه على أعمال الحدادة. وهكذا، أصبح خبّاب أحد أشهر صانعي السلاح في مكة، واكتسبت أم أنمار ثروة طائلة من عمله.
لم يكن خبّاب ميالا إلى عبادة الأصنام منذ طفولته، بل كان متأملا طريقا آخر للنجاة، وهنا ظهر النبي ﷺ بالإسلام، امتلأ قلبه بالحماسة، فأعلن التوحيد وأسلم.
لكن لم يُعجب ذلك سيّدته أمّ أنمار، فهاجمته بشدّة. فكانت تأخذ الحديدة وقد أحمَتها فتضعها على رأسه وظهره. ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم به ذات يوم وهو يُعذَّب، فرفع كفيه إلى السماء وقال: «اللهم انصر خبابا»، واستجاب الله لدعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أصيبت أمّ أنمار بمرض غريب فجعلها تعوي مثل الكلاب ونصحها البعض بأنّ علاجها هو أن تكوي رأسها بالنار وهكذا ذاقت من نفس الكأس التي أذاقته لخباب بن الأرت.
ومرّة في خلافة عمر رضي الله عنه كان الناس يتكلّمون عمّا كان يفعله المشركون بالمسلمين، فهنا كشف خبّاب عن ظهره رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه : ما رأيتُ أبشع من ذلك، حيث رأى لحم ظهره قد ذاب وكشف عن عظام ظهره!، فقد كان المشركون يوقدون النّار حتى تصير جمرا ثم يطرحونه عليها حتى تنطفئ بشحم ظهره رضي الله تبارك وتعالى عنه.
وروى البخاري عن خبّاب حادثة تظهر شدّة التعذيب الذي لاقاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول :شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل، فيُحفَر له في الأرض، فيُجعَل فيها، ثمّ يُؤتى بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نِصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليُتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلّا الله والذئبَ على غَنمِه، ولكنّكم تستعجلون.
ولم يكن من استطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة إلا مواساة المعذّبين من الضعفاء بتذكيرهم من الاضطهادات التي لاقاها المؤمنون الأوائل في سبيل التمسك بالتوحيد، مؤكدا أهمية الصبر والثواب عند الله تعالى.
ومع مرور الزمن، أصبح خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه من الذين حفظوا القرآن جيدًا، وصار قارئا يقرئه ويُدرّسه للآخرين. وتفرّغ للعبادة وحفظ القرآن الكريم حتى قال عنه عبدالله بن مسعود: من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد. وكان خبّاب هذا هو الذي يعلّم فاطمة بنت الخطاب، وزوجَها سعيد بن زيد القرآنَ الكريم.





