فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض ، وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلاً ، ويوافق ١٠ أغسطس سنة ٦١٠م ، وكان عمره إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية ، وستة أشهر ، و ۱۲ يوماً ، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر و ٢٢ يوماً .
يدخل في تلك الليلة ضيف غريب إلى غارحراء حيث يمكث هناك النبي صلى الله عليه وسلم منعزلا، ولم يكن ذلك الضيف سوى "جبريل" الملك الذي كان ينزل بالوحي من الله تعالى إلى جميع الأنبياء السابقين، فقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: إقرأ، قال : ما أنا بقارىء ، قال رسول الله: فأخذني فغطّني ، حتى بلغ منّي الجهد ، ثم أرسلني، فقال : إقرأ ، فقلت ما أنا بقارىء ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم . - الآيات من 1 إلى 13 من سورة العلق من القرآن الكريم - وكان ذلك أول يوم من أيام النبوة، وأول وحي من القرآن.
فرجع بها رسول الله الله يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ، ماذا أصاب لي ؟، وسألتْ خديجةُ رضي الله عنها عن السبب، فقصّ عليها القصة وقال: لقد خشيت على نفسي ، فواسته خديجة بقولها : كلا ، واللهِ ما يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق. قالته خديجة اعتماداً على العقل السليم، والفطرة الصحيحة، وعلى تجاربها في الحياة، ومعرفتها للناس.
ولكنّ الأمر كان أعظم من هذا ، وكان يحتاج إلى رجل له خبرة بالديانات وتاريخها ، والنبوات وسننها، ومعرفة بأهل الكتاب الذين عندهم أخبار الأنبياء وعلمهم.فرأت أن تستعين في ذلك بابن عمها العالم « ورقة بن نوفل » فانطلقت برسول الله إليه .
فانطلقت به خديجة حتى أتتْ به ورقة بن نوفل ابن عمها، - وكان امرءاً تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخاً كبيراً قد عمي - فقالت له خديجة : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى ، فقال له ورقة : والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، وأن قومك سيكذبونك، ويؤذونك ، ويخرجونك ، ويقاتلونك . وتعجب رسول الله حين قال ورقة : إنهم سيخرجونك ، لأنه كان يعرف منزلته عند قريش، فلا ينادونه ولا يخاطبونه إلا بـ « الصادق » وبـ « الأمين ، فقال متعجباً: أوَ مخرجيّ هم ؟قال ورقة : نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عاداه الناس وحاربوه، وان أدركت ذلك اليوم، وطالت بي الحياة، نصرتًك نصراً قوياً .
ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي زماناً ، ثم تتابع، وبدأ القرآن ينزل. وبهذا الحديث أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أُرسل لتبليغ رسالة عظيمة، وقامت بجانبه خديجة زوجته الحبيبة بكل دعم ومساندة.





