الصلاة كانت معروفة قبل ليلة الإسراء. وكان مما علّمه جبريلُ للنبي صلى الله عليه وسلم في مبدإ الوحي كيفية الوضوء والصلاة وصورتها العملية، فأول ما صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر فسميت الأولى. قال ابن حجر في شرح المختصر: فذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد. وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي . وعن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، وقد روى ابن ماجه بمعناه. وقد ذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وعليا يصليان مرة، فكلّمهما في ذلك، ولما عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات.
في هذه الفترة لم يؤمر من الله تعالى عبادة إلا القيام بالصلاة ، وكانت تعاليم الدين في ذلك الوقت تهدف رئيسيا إلى إرساخ الإيمان الصحبح في قلوب المؤمنين والتمسك به في جميع الشدائد. والدعوة السرية التي امتدت ثلاث سنين فتحت مجالا في تشكيل مجموعة صغيرة تقوم على المودة والاحترام والوئام، وعرفوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وعاشروا معه في عالم المحبة والتكريم.
وهناك منظر جميل يوضح أمامنا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يؤدون عبادتهم في بداية الوحي، يحكي لنا هذه القصة عفيف الكندي الذي جاء من اليمن إلى مكة للتجارة. يقول: كنت امرءا تاجرا فقدمتُ منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا، فأتيتُه أبتاع منه وأبيعه، قال: فبينا نحن عنده إذ خرج رجل من خباء، فقام يصلّي تجاه الكعبة، ثم خرجتْ امرأة فقامت معه تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه. فقلتُ: يا عباس: ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو ؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله به، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنتْ به، وهذا الغلام ابن عمّه علي بن أبي طالب آمن به.
ومضت أيام بعد هذه الحادثة، ثم أسلم عفيف فقال : فليتني كنتُ آمنتُ يومئذ، فكنتُ أكون ثانيا ممّن دخلوا إلى الاسلام بعد علىّ رضي الله عنه-





