أصبحت حياة المؤمنين في مكة في ضيق ومشقّة شديدين بما يعانون من اضطهاد وسخرية واستهزاء، ممّا أوقع ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم في حزن شديد، يواسى المؤمنين في كلّ موقف حرِج متوقعا من الله تعالى فرجا ومخرجا. وأخيرا، أذن الله لهم بالهجرة من أرض مكّة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للمؤمنين : هاجروا إلى الحبشة، فهي أرضُ حقّ، وحاكمها النجاشيّ ملكٌ عادل، لا يُظلَم عنده أحد. فامكثوا هناك حتى يجعلَ الله تعالى لكم فرجاً ممّا أنتم فيه.
وكانت هذه الهجرة في شهر رجب سنة خمس من المبعث ، فهاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة. كان مكوّنا من اثني عشر رجلا وأربع نسوة. وهم كما يلى:
1. عثمان بن عفان
2. امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
3. أبو حذيفة بن عتبة
4. امرأته سهلة بنت سهيل
5. الزبير بن العوام
6. مصعب بن عمير
7. عبد الرحمن بن عوف
8. عثمان بن مظعون
9. أبو سبرة بن أبي رهم العامري
10. حاطب بن عمرو
11. سهيل بن بيضاء
12. عبد الله بن مسعود
13. أبو سلمة بن عبد الأسد
14. امرأته أم سلمة بنت أبي أمية
15. عامر بن ربيعة
16. امرأته ليلى بنت أبي حثمة
وعن ليلى بنت أبي حثمة قالت : كان عمر بن الخطاب من أشدّ الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة أتانا عمرُ بن الخطاب وأنا على بعيري، وأنا أريد أن أتوجّه فقال : أين يا أمّ عبد الله ؟ فقلتُ : آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذَى . فقال : صحِبكم الله!. ثم ذهب فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرتُه بما رأيتُ من رقّة عمر فقال: ترجين أن يُسلم؟ والله لا يُسلم حتىّ يُسلم حمارُ الخطّاب! .
وجاء في رواية أم سلمة رضي الله عنها: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا، واطمأنّوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا واستقرارًا، وحُسنَ جوارٍ من النجاشي، وعبدوا الله لا يؤذيهم أحد، ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا وفدا للنجاشي لإحضار مَن عنده من المسلمين إلى مكة ، فاجتمعوا وتشاوروا بينهم أن يرسلوا رجلين منهم إلى النجاشي، ليكلّماه في أمرهم، ويطلبا منه أن يسلِّمهم إليهما. فاختاروا رجلين جليدين لبِيبَين، وهما عمرو بن العاص، وعمارة بن ربيعة ، وذلك قبل أن يسلما.
وأرسلوا معهما للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدَوا له هدية، وقالوا لهما: ادفعا إلى كلّ بطريق هديتَه قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدّموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يُسلِمَهم إليكم قبل أن يكلّمهم أصحاب محمّد، فخرجا فقدما على النجاشي، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلّما النجاشي، فقالا له :
أيها الملك، إنه قد ضوى ( لجأ) إلى بلدك غلمان سفهاء، فارَقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردّهم إليهم، فهم بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.
فقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، فأسلمْهم إليهما، فليردّاهم إلى قومهم وبلادهم.
فغضب النجاشي من قول البطارقة، وقال: لا، هَيمُ الله! إذن لا أسلمهم إليهما ولا أُكادُ قومًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولون أسلمتُهم إليهما، ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتُهم منهما، وأحسنتُ جوارهم، ما جاوروني.
رأى النجاشي أنه لا بدّ من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعا ، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنا ما كان، وقال جعفر: لا يتكلّم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم.
فحضر القوم وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله..
لا نسجد إلا لله
يقول ابن سعد في طبقاته: دخل المسلمون وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب على النجاشي وهو جالس في مجلس وعمرو عن يمينه وعمارة عن يساره، والقسّيسون والرهبان حوله، وقد قال لهم عمرو وعمارة إنهم لا يسجدون لك.
فلما انتهوا إلى المجلس قيل لهم: اسجدو للملك، فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عزوجل.
فقال له الملك: وما ذاك؟
قال: إن الله بعث فينا رسولاً، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده، اسمه أحمد، فأمرَنا أن نعبدَ الله ولا نشركَ به شيئا، ونقيمَ الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر .فأعجبَ النجاشي بقوله .
فسأل لهم النجاشي : ما هذا الدين الذي قارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟
فقال جعفر له: أيها الملك، كُنّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.
ثم قال: فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك!.
فأعجب الملك بكلام جعفر، وسأله : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قال : نعم . قال : فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدرا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تُلي عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليَخرج من مشكاة واحدة .
ثم سأل الملك لعمرو من قريش: هل هؤلاء الذين جاءوا إلينا عبيدٌ لكم؟
قالوا : لا.
هل عليهم أيّ حق أو قرض يؤدونه إليكم؟
قالوا : لا.
فقال الملك: انطلقا ، فوالله لا أُسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد .
لمّا خرجا قال عمرو : والله لأنبئنّه غدا عيبَهم ثم أستأصل خضراءهم . فقال له عمارة : لا تفعل : فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا . قال : والله لأُخبرنّه أنهم يزعمون أنّ عيسى عبدٌ . ثم غدا عليه ، فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم ، فسَلْهم عمّا يقولون فيه . فأرسل يسألهم .
فاجتمع أصحاب رسول الله ، ثم قالوا : نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنا ما كان . فلمّا دخلوا عليه، سأل لهم النجاشي: ما تقولون في عيسى ؟
فقال له جعفر : نقول فيه الذي جاء به نبيّنا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . فتناخرت بطارقته حوله، فقال النجاشي : وإن نخرتم والله هذا حقّ. ثم رفع عودا من الأرض، وقال : يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ، ما تريدون ! ما يسوءني هذا ، أشهد أنّه رسول الله ، وأنه الذي بشّر به عيسى في التوراة والإنجيل ، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته ، فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضّئه . وقال : انزلوا حيث شئتم، اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون، من سبّكم غَرم - أعاده ثلاثا - لا أوذي أحدا منكم لو كان لي جبل من ذهب. امكثوا في أرضي ما شئتم ، وأمر لهم بطعام وكسوة.
ثم قال الملك لعمرو وعمارة : اخرجا من عندي، وأمر لحاشيته : ردّوا عليهما هداياهما ، فوالله ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليّ مُلكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيّ ، فأطيعهم فيه .
فخرجا مقبوحين ، مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقام جماعة المسلين في الحبشة عند النجاشي بخير دار مع خير جار .





