مازال كثير من الناس يتوافدون إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم، رغم كل العقبات والشدائد التي لاقاها المؤمنون في سبيل الدعوة. ومنهم،حمزة بن عبد المطلب، عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان دخوله في الإسلام حدثا عظيما يبعث الأمل في نفوس المؤمنين..
في أواخر السنة السادسة من النبوة، في ذي الحجة ، أن أبا جهل مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفاء، فآذاه، ونال منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفاء تسمع ما يقول أبو جهل، وأقبل حمزة من القنص متوشحًا قوسه، وكان يسمّى أعزّ قريش، فأخبرته مولاة ابن جدعان بما سمعتْ من أبي جهل، فغضب ودخل المسجد وأبو جهل جالس في نادي قومه، فقال له حمزة: يا قبيح! تشتم ابن أخي وأنا على دينه؟ ثم ضربه بالقوس فشجّه شجّة موضحة، فثار رجل من بنى مخزوم، وثار بنو هاشم، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنّي سببْتُ ابن أخيه سبًّا قبيحًا، فعلمتْ قريش أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزّ، فكفّوا عنه بعدما كانوا ينالون منه.
وكان حمزة يفكّر عن الإسلام، ولكنّ معاملة أبي جهل فتحت أمامه باب الهداية ، وبعد أن أسلم تغيّرت حياته كلّيا، حتى لقّب «أسد الله» بشجاعته النادرة وأصبح كلّ لحظة من حياته صفحة مشرقة من تاريخ الإسلام.
إسلام عمر بن الخطاب
وكان عمر بن الخطاب وأبو جهل من أبرز رجال مكة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم دائما يدعو: اللهم أيّد الإسلام بأحبّ الرجلين إليك، أبي الحكم بن هشام، وعمر بن الخطاب. وأجاب الله دعاءه بإسلام عمر بن الخطاب، وكان ذلك بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة بن عبد المطلب.
وقد كانت خلفية عمر بن الخطاب مختلفة عن حمزة بن عبد المطلب، كان عمر رضي الله عنه من أوائل المحاربين للإسلام والمستهزئين بالمسلمين، وكان معروفاً بحدّة الطبع وقوة الشكيمة، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى، وصنوف العذاب.
وإن كانت غلظة عمر ظاهرة فإنّ قلبه يكمن وراءه ينابيع من الرقة والعطف والسماحة. مرة، كان يطوف حول الكعبة ، وكان النبي ﷺ يصلي عند الكعبة فسمع النبي ﷺ يقرأ سورة الحاقة فلمّا قرأ رسول الله ﷺ { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40]يقول عمر فقلت في نفسي : بل هو قول شاعر، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ } [الحاقة: 41] فقلت في نفسي بل قول كاهن ، فقدّر الله أنّ الآية كذلك وقرأ النبي (صلى الله عليه وسلم): { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [الحاقة: 42]. يقول عمر فوقع في نفسي أنه الحق. ولم يُعلن بإسلامه، بل تأخر عنه بأسباب قبليّة تقليدية واجتماعية.
وكان من خبر إسلامه أن أخته فاطمةبنت الخطاب أسلمتْ وأسلم بعلُها سعيد بن زيد، وكانا يُخفِيان إسلامهما من عمر، لهيبته وشدّته على الإسلام والمسلمين، وكان خبّاب بن الأرتّ يختلف إلى فاطمة يُقرئها القرآن.
فخرج عمر يوما متوشّحا سيفَه، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطًا من أصحابه، قد ذكر له أنّهم اجتمعوا في بيت عند الصفا فلقيه نُعَيم بن عبد الله- وهو من قومه بني عديّ، وكان قد أسلم، فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدًا هذا الصابىء، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها، فأقتُله.
فقال له نُعيم : لقد غرّتك نفسُك يا عمر! أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتقيم أمرهم؟
قال عمر : وأيّ أهلِ بيتي؟!
قال: ختِنُك وابنُ عمّك سعيد بن زيد، وأختُك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
ورجع عمر عامدا إلى أختِه وختنِه، وعندهما خبّاب بن الأرتّ، ومعه صحيفة، فيها سورة طه يُقرئها إيّاها، فلمّا سمعوا حسّ عمر، تَغَيَّبَ خبّاب في مِخدع ( غرفة صغيرة) لهم، وأخذت فاطمة الصحيفة وجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءةَ خبّاب، فلمّا دخل، قال: ما هذه الهينمة ( صوت لا يفهم)؟.
قالا له: ما سمعتَ شيئا!.
قال: بلى، والله لقد أُخبرتُ أنّكما تابعتُما محمدا على دينه.
وبطش عمرُ بختِنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة، لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجّها. فلمّا فعل ذلك، قالت له أختُه وختنُه: نعم، قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!
ولما رأى عمر ما بِأُختِه من الدم، ندِم على ما صنع، وتوقّف وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفا، أَنْظُرُ ما هذا الذي جاء به محمد، وكان عمر قارئا، فلمّا قال ذلك، قالت له أخته: إنّا نخشاك عليها.
قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته، فلمّا قال ذلك، طمَعتْ في إسلامه، فقالتْ له: يا أخي! إنك نجس على شِركك وإنه لا يمسّها إلا الطاهر.فقام عمر، فاغتسل، فأعطتْه الصحيفة.
شرع بتلاوة سورة طه من أولها، إلى آية 14 منها، حيث يقول الله تعالى:﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ عندما وصل إلى هذه الآية، قال عمر: ما أجمل هذه الكلمات! هل يُمكنكم أن تُرشدوني إلى محمد؟' عندها خرج خبّاب من مخبئه وقال: يا عمر، أبشر! لقد استُجيبتْ دعوة النبي محمد ﷺ ليلة الأربعاء.
عند ذلك قال له عمر: فدلّني يا خبّاب على محمد، حتّى آتيه فأُسلم، قال خبّاب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه، فتوشّحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلمّا سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خَلل الباب، فرآه متوشحا بالسيف.
فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع، فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب، متوشحا السيف.فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن جاء يريد شرّا قتلناه بسيفه.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له ، فأذن له الرجل.
ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بمجمع ردائه، فقال عمر : يا رسول الله! جئتك لأؤمنَ بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله. فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف منها أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ عمر قد أسلم .
كان إعلان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن إسلامه بمثابة مصدر قوةٍ للمؤمنين وباعثًا على الخوف في قلوب الكافرين. وفيما بعد، تحدّث عمر عن هذا الحدث قائلاً: بعد أن أسلمتُ، كان أول ما سألتُ عنه: من هو أشدّ الناس عداوة للإسلام في مكّة؟ فقالوا: أبو جهل. فذهبتُ إلى بيته وطرقتُ الباب، وأخبرتُه أنّني قد أسلمتُ. فضرب الباب في وجهي بغضب، وقال: قبّحك الله وقبّح ما جئت به.! ثم انصرف.
ما زال عمر يريد أن يُعلم خبر إسلامه الجميع، فذهب إلى جُميل بن معمر الجمحي، الذي كان أنقل قريش للحديث، لا يسمع حديثًا إلا حدَّث الناس جميعًا به. ذهب عمر وقال له: يا جُميل، لقد أسلمت. وبأعلى صوته نادى جميل: إنَّ ابن الخطاب قد صبأ. فردَّ عليه عمر: كذبتَ، ولكنّي قد أسلمتُ.
وعرفتْ مكّة كلّها بإسلام عمر، وكان هذا نفس ما أراده. استجابة لنداء جُمَيْل، اجتمع القوم من أطراف مكة، وقد أقبلوا على عمر بن الخطاب، وأخذوا يقاتلونه ويقاتلهم، وبعد تعَب شديد جلس عمر على الأرض وقال: إفعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنّا ثلاثمائة رجل، لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. وسبحان الله! كان هذا هو عدد المسلمين يوم بدر.
وكانت قريش يريدون قتل عمر بن الخطاب بسبب إسلامه ، فلما علم ذلك مكث في داره أياما بعد إسلامه، روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال : بينما هو في الدار خائفا، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي ، وعليه حلة سيرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له:ما لك؟
قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني أن أسلمت، قال لا سبيل إليك ، فخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال أين تريدون؟ فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ، قال: لا سبيل إليه، فكرّ الناس.
أما بالنسبة إلى المسلمين فقد قوي المؤمنون بإسلام عمر، عن ابن عباس قال:
سألت عمر بن الخطاب، لأي شيء سمّيتَ «الفاروق»؟ قال: أَسلَم حمزة قبلي بثلاثة أيام- ثم قصّ عليه قصّة إسلامه وقال في آخره- قلت : - حين أسلمتُ- يا رسول الله! ألسنا على الحقّ إن مُتنا وإن حيينا؟ قال: بلى! والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متُّم وإن حييتم ، قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجنّ، فأخرجناه في صفَّين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كَدِيد ككديد الطحين، حتّى دخلنا المسجد، قال: فنظرتُ إلى قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم »الفاروق « يومئذ .
ويمكن وصف ذلك بأنه أول مظاهرة علنية في الإسلام، و كان إسلام عمر هو السبب الرئيسي لهذه الدعوة العلنية. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما كنّا نقدر أن نصلّي عند الكعبة حتّى أسلم عمر، وجاء في رواية أنّه قال: قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر .وعن صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حَلقا، وطُفنا بالبيت، وانتصفنا ممّن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.





