ثمّ إنّ قريشا اشتدّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهدُ ، واشتدّ عليهم البلاءُ، واجتمعت قريش فحاولوا إقناع أبي طالب بأن يتخلّى عن ابن أخيه وأن يترُك لهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يقتلوه علانية. لكنه لم يوافق عليه. فأصبحت عداوتُهم موجّهة إلى بني هاشم كافّة. فانتقلوا إلى فكرة فرْض حصار شامل عليهم، وكان هدفُهم به تشديد الضغط على النبيّ ﷺ ليتراجع عن دعوته. فأعدّوا وثيقة حصار تنصُّ على مقاطعة كاملة لبني هاشم وبني المطلب، وعدم التعامل معهم بأي شكل من الأشكال.
أجمعوا أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلّموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. تمّ هذا الميثاق، وعلّقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم- إلّا أبا لهب- وحُبسوا في شعب أبي طالب. وقد اختلفت الروايات فيمن كتَب هذا الميثاق من أكابر قريش، وقد رُوي أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد دَعى عليه فشُلّت يده.
قاطعت قريش النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه، ومُنعت عنهم الطعام والشراب وكلّ ما يحتاجونه، فاشتدّ وعظم الأمر عليهم فأكلوا أوراق الشجر، وكلَّ شيء رطب، وكان صياحُ الصبيانِ والنساء يُسمع من وراء الشِعْب من شدة الجوع والمخمصة. وروى الطبري: أصابهم الجهد حتى أكلوا ورق السَّمُر، وحتّى إنّ أحدهم ليضع كما تضع البهائم، وحتى تقرّحت أفواههم من أكل الورق.
واشتدّ الحصار، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرّا- وكانوا- لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترِد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتَها حتى لا يستطيعوا الإشتراء.
روى ابن هشام : أن أبا جهل بن هشام لقِي حكيمَ بن حزام بن خويلد بن أسد، ومعه غلام يحمل قمحًا يريد به عمّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب. فتعلّق به أبو جهل وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنتَ وطعامُك حتّى أُفضحك بمكّة. فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم. فقال له أبو البختري: طعام كان لعمّته عنده بعثت إليه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلِّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحى بعير فضربه به فشجّه، ووطئه وطأً شديدًا. وكان حمزة بن عبد المطلب قريبًا يرى ذلك.
كان أبو لهب، أحد أفراد عائلة بني هاشم، موجودًا في الشعب في المرحلة الأولى. لكن سرعان ما انحاز إلى قريش ووقف ضدّ بني هاشم. وفي تلك الأثناء، لقى هندَ بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه، وظاهر عليهم قريشا، فقال: يا بنت عتبة، هل نصرتِ اللات والعزى، وفارقتِ من فارقهما وظاهرَ عليهما؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
استمرت هذا الحصار ثلاثة أعوام، وفي هذه المدة جميعا قام أبو طالب بجانب النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب يحميه عن الأعداء وعن كلّ سوء يمسّه. فكان إذا أخذ الناس مضاجعَهم يأمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجعَ على فراشه ، حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله ، فإذا نام الناسُ أمرَ أحدَ بنيه أو إخوانِه أو بني عمِّه فاضطجع على فراش رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأمرَه أن يأتي بعضَ فرشهم.
نقض صحيفة الميثاق
مرت ثلاثة أعوام كاملة والأمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق. وذلك كما حكى الذهبي وغيره : كانت الصحيفة معلقة في سقف البيت، فلم تترك إلا اسم الله إلا لَحستْه الأرضة ، فأطلع الله رسولَه على ذلك ، فأخبر به أبا طالب ، فقال أبو طالب : لا والثواقب! ما كذَبني . فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب ، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش ، فأنكروا ذلك ، فقال أبو طالب : قد حدثتْ أمورٌ بينكم لم نذكرها لكم ، فَأْتُوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها ، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح . فأتَوا بها وقالوا : قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم ، فإنّما قطع بيننا وبينكم رجل واحد ، جعلتموه خطرا للهلكة .
قال أبو طالب : إنما أتيتُكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف ، إنّ ابنَ أخي قد أخبرني ولم يكذبني ، أنّ الله بريء من هذه الصحيفة ، ومحا كلَّ شيء غير اسم الله ، فإنْ كان كما قال : فأفيقوا ، فوالله لا نُسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي قال باطلا ، دفعناه إليكم ، فرضَوا وفتحوا الصحيفة ، فلمّا رأتها قريش كالذي قال أبو طالب ، قالوا : والله إن كان هذا قطّ إلا سحرا من صاحبكم ، فارتكَسوا وعادوا لكفرهم .
فقال بنو عبد المطلب : إنّ أولى بالكذب والسحر غيرُنا ، فكيف ترون ، وإنّا نعلم أنّ الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقربُ إلى الجبت والسحر من أمرنا ، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد الصحيفة، وهي في أيديكم ، أفنحن السحرة أم أنتم؟
فقال أبو البختري ، ومطعم بن عدي ، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة ، وزمعة بن الأسود ، وهشام بن عمرو وكانت الصحيفة عنده ، وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من أشرافهم : نحن براء ممّا في هذه الصحيفة . فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل .فانتهت بذلك أيام الحصار الحادّة.





