قام المشركون بمحاولات عديدةبشتى الطرق لصرف المسلمين عن الإسلام، ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، ونتيجة لذلك، زادوا في أنواع التعذيب والاضطهاد، وفي نهاية المطاف، اتخذوا إجراءات قاسية ضدّ النبي ﷺ نفسِه، وفكروا أن السبيل الوحيد في إيقاف الدعوة كاملة هو اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وبدأوا بإجراءات سريّة في هذا السبيل.
في مكة آنذاك، كان عدد المؤمنين قليلًا، وكثير مّنهم كانوا يعيشون تحت حماية زعماء قبائلهم، والبعض الآخر أخفوا إيمانهم خوفًا من الاضطهاد. رغم ذلك، واصل النبيّ محمد ﷺ دعوته بشجاعة، معلنًا تعاليم الإسلام وممارسًا عباداته جهارا، امتثالًا لأمر الله تعالى في قوله: [فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ] (الحجر: 94) . هذه الآية كانت دافعًا قويّا للنبي ﷺ للاستمرار في دعوته، رغم تصاعد المعارضة والاضطهاد من قريش.
وكان من الممكن بالنسبة للأعداء مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم علنا، لكن مُنِعوا من ذلك بعدّة عوامل. منها: شخصية النبي ﷺ القوية، من حيث هيبته وخُلُقه وقبوله بين الناس . وأيضا، كان النبي ﷺ تحت حماية عمّه أبي طالب، الذي كان من وجهاء بني هاشم، مما شكّل عائقًا أمام أعدائه لأن قريشا كانت تخشى من ردّ فعل عنيف من بني هاشم إذا تعرّض النبي ﷺ للأذى. ورغم هذه العوائق، لم تتراجع قريش عن نواياهم السيئة تجاه النبي ﷺ.
روى البيهقي في كتابه دلائل النبوة، أن عُتَيْبَة بن أبي لهب جاء إلى النبي ﷺ بعد أن طلّق ابنتَه أمَّ كلثوم، وقال له: كفرتُ بدينك، وفارقتُ ابنتَك، لا تحبّني ولا أحبّك. ثم تسلّط على النبيّ ﷺ، فشقّ قميصَه، وبصَق في وجهه. فدعا عليه النبي ﷺ قائلاً: اللهم سلِّط عليه كلباً من كلابك.
وجا ء في رواية: كان أبو لهب وابنه عُتْبَة قد تجهّزا إلى الشام ، فتجهزت معهما ، فقال ابنه عتبة : والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينّه في ربّه سبحانه ، فانطلق حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، هو يكفر بالذي دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم ابعث إليه كلبا من كلابك " . ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال : يا بني ، ما قلت له ؟ فذكر له ما قال له ، قال : فما قال لك ؟ قال : قال : " اللهم سلِّط عليه كلبًا من كِلابِك " قال : يا بنيَّ والله ما آمنُ عليك دعاءَه . فسِرنا حتى نزلنا الشراة ، وهي مأسدة ، ونزلنا إلى صومعة راهب ، فقال الراهب : يا معشر العرب ، ما أَنزلَكم هذه البلاد! فإنها تسرح الأسدُ فيها كما تسرح الغنم ؟ فقال لنا أبو لهب : إنّكم قد عرفتم كِبر سنّي وحقّي، وإنّ هذا الرجلّ قد دعا على ابنِي دعوةً - والله - ما آمُنها عليه ، فاجمَعوا متاعَكم إلى هذه الصومعة ، وافرِشوا لابني عليها ، ثم افرشوا حولها. ففعلنا ، فجاء الأسدُ فشمّ وجوهَنا ، فلمّا لمْ يجد ما يريد تَقَبَّضَ ، فوثب ، فإذا هو فوق المتاع! ، فشمّ وجهَه ثم هزمه هزْمةً ففضخ رأسَه . فقال أبو لهب : قد عرفتُ أنّه لا ينفلت عن دعوة محمد .
وقاموا أيضا بمحاولات اغتيال ضدّ النبي صلى الله عليه وسلم . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: اجتمع نفر من قريش في الحجر، فتذاكروا رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطّ، سفَّه أحلامَنا، وسبَّ آلهتَنا، وأفسدَ علينا أمرَنا، وفرَّق جماعتَنا، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله ﷺ، فأقبل يمشي حتّى استلم الركنَ، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلمّا مرّ بهم غَمزُوه ببعض القول، فعرفتُ ذلك في وجه رسول الله ﷺ، ثمّ مضى، فلمّا مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتُ ذلك في وجهه، ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتُكُم بالذّبح.أي لأُهْلككُم جميعا.
فأخذتِ القومَ كلمتُه، حتّى ما مِنهم رجل إلا كأنّما على رأسه طائر ، حتى إنّ أشدّهم فيه عداوة طلب منه ليرفؤه بأحسن ما يجِد من القول، حتى إنّه ليقول: انصرف يا أبا القاسم!، فوالله ما كنتَ جهولًا.
فلما كان الغد اجتمعوا في الحِجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ، فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنتَ الذي تقول كذا وكذا؟ فيقول رسول الله ﷺ: نعم، أنا الذي أقول ذلك.
قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه، وهو يبكي، ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربّي الله؟ ثم انصرفوا عنه، وإنّ ذلك لأشدّ ما رأيتُ قريشًا نالوا منه صلى الله عليه وسلم.
مرة، سأل عروة بن الزبير لعبد الله بن عمرو عن اضطهاد وحشي قامت به قريش ضدّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: رأيتُ عُقبة بن أبي مُعَيْط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28] وفي رواية أخرى: أن عُقبة بن أبي معيط وطِئ على رقبته ﷺ الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان.





